عقد في دمشق، في الأول والثاني من كانون الأول الجاري، المؤتمر الإقليمي الأول حول المرأة والمجتمع. بالتعاون بين جامعة دمشق والسفارة الكندية بدمشق وصندوق السكان (UNFPA) ودار إيتانا للنشر ورابطة النساء السوريات (التي لم يعلن عن اسمها في بطاقة الدعوة رغم أن لها دوراً أساسياً في التنظيم والمشاركة بسبب من أن الرابطة المذكورة لم تستطع الحصول على الترخيص بعملها رغم مضي عقود عدة على تشكيلها!!).
شارك في المؤتمر عدد من الناشطات العربيات في قضايا المرأة والمساواة بين الرجل والمرأة. إضافة إلى رجلي دين (مسيحي ومسلم). وعدد من المهتمين في هذا المجال. ورغم أهمية موضوع المؤتمر، ورغم اختصاص المحاضِرات وتمرسهن في مجالهن، بدا عدد الحضور أقل مما يفترض في نشاط كهذا النشاط ركز اهتمامه على مناقشات جدية لعلاقة المرأة بالمجتمع، ولم يهدف إلى المانشيت الإعلامي على عادة الكثير من المؤتمرات المختلفة. وقد عزا منظمو المؤتمر قلة الحضور إلى عدم تجاوب الكثير من الجهات مع الدعوات التي وجهت إليهم، بدءاً من جامعة دمشق التي اقتصرت مشاركتها على رعاية وزير التعليم العالي للمؤتمر، وورقة عمل قدمها د. سمير حسن (عميد كلية الآداب- جامعة دمشق)، بينما غاب عنها الطلاب والمنظمات الرسمية وشبه الرسمية التي يفترض أن تهتم بمؤتمر يدخل في صلب نشاطها! كما أن العديد من الجهات المهتمة بحقوق الإنسان عموماً لم تلب الدعوة لحضور المؤتمر، مما يعكس إلى درجة كبيرة قلة الاهتمام الجدي بمشكلة التمييز ضد المرأة في مختلف المستويات الاجتماعية والسياسية، الرسمية والشعبية.
في هذا العدد من "النور" تقدم صفحة المجتمع تغطية وافية لوقائع المناقشات في المؤتمر المذكور نظراً لأهمية الرقي بدور المرأة في المجتمع وتحقيق المساواة القانونية والعملية بين المرأة والرجل كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات دون أي تمييز بسبب الجنس.
المرأة بين الواقع والقانون: القانون هو الأداة الفعالة في تحقيق المساواة
تحت عنوان: (المرأة بين الواقع والقانون) عقدت الجلسة الأولى من مؤتمر المرأة والمجتمع في قاعة رضا سعيد للمؤتمرات- جامعة دمشق. تحدثت فيها المحامية دعد موسى (سورية) عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
قدمت الأستاذة موسى شرحاً موجزاً لتاريخ الاتفاقية (السيداو) مؤكدة أن مواد الاتفاقية تنبثق من الإيمان بأن القانون الدولي والوطني هما أداة فعالة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. كما أن المساواة بين الجنسين تتصل إلى حد كبير بالمساواة أمام القانون. ثم انتقلت المحاضِرة إلى موقف الدول العربية من الاتفاقية المذكورة، مشيرة إلى أن سورية كانت آخر دولة وقعت عليها حتى الآن (صادقت سورية على الاتفاقية في 25/9/2002). إلا أن العديد من الدول العربية التي صادقت عليها (16 دولة عربية) أبدت تحفظات كثيرة على بعض المواد (تحت ذريعة تعارض المواد المتحفظ عليها مع أحكام الشريعة الإسلامية ومخالفتها لأحكام القوانين الوطنية). وكان من أهم هذه التحفظات التحفظ على المادة (2) التي تطالب الدول الأعضاء باتخاذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة، وبضمن ذلك إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة، (وإدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية (..) وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة). وهو التحفظ الذي يعني، عملياً، التنصل من الاتفاقية. وهو ما رفضته المادة 28 من الاتفاقية المذكورة. إذ تشير الفقرة 2 منها إلى أنه: (لا يجوز إبداء أي تحفظ يكون منافياً لموضوع هذه الاتفاقية وغرضها). وتساءلت المحامية دعد عن كيف ستنفذ الدولة هذه الاتفاقية إن كانت قد تحفظت على إدراجها في تشريعاتها؟
ثم تحدثت المحاضِرة بالتفصيل عن المواد التي تحفظت عليها سورية (المادة 2. المادة 9 الفقرة الثانية المتعلقة بمنح الأطفال جنسية المرأة. المادة 15 الفقرة الرابعة المتعلقة بحرية التنقل والسكن. المادة 16، البند الأول، الفقرات ج-د-و-ز المتعلقة بالمساواة في الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه فيما يخص الولاية والنسب والنفقة والتبني. والبند الثاني من المادة نفسها حول الأثر القانوني لخطوبة الطفل أو زواجه. والمادة 29، الفقرة الأولى المتعلقة بالتحكيم بين الدول في حال حصول نزاع بينها) ورأت أن هذه التحفظات وضعت (بهدف تعطيل تطبيق الاتفاقية). إذ (كيف السبيل إلى تحقيق المساواة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليم وحقوق العمل، بينما حقوق المرأة مقيدة داخل الأسرة لناحية حرية السفر والتنقل؟ ومرهونة أيضاً بموافقة الولي والتهديد بالطلاق والحرمان من الأولاد؟).
وخلصت المحامية دعد موسى إلى أن (القانون هو من أهم المؤشرات لقياس مدى التقدم في المساواة بين الجنسين. ولابد من إيجاد قانون أسرة عصري يترجم فكرة المساواة في المواطنة بين الرجال والنساء. ويحقق خضوعهم المتساوي للحقوق والواجبات نفسها).
تلتها د. رؤوفة حسن الشرقي (اليمن) فقدمت عرضاً لحالة اليمن من ناحية التناقضات بين توقيعه على الاتفاقية وبين التطبيق العملي في القوانين اليمنية. فأشارت إلى أن أغلب الدساتير العربية تتضمن إطاراً عاماً من المساواة بين الرجال والنساء. وحين يترجم الدستور إلى قوانين يجري ذلك عن طريق حلقة ثانية هم مشرعو القوانين. وهم خاضعون للتوازن المعبر عن الحد الأعلى المعبر عنه دستورياً وتفسيراتهم الشخصية له. وأخيراً تأتي الحلقة الأخيرة، الواقع، الذي غالباً ما تحكمه العادات والتقاليد الدينية والمدنية لا ما ينص عليه الدستور. وهذا السياق هو أكثر ما يفسر التحفظات المختلفة على الاتفاقية.
د.رؤوفة حسن الشرقي
وفيما يخص حالة اليمن أشارت د. الشرقي إلى أن دستور الوحدة ألغى صيغة المساواة (دون تمييز بسبب الجنس) الذي كان مثبتاً في دستور الجنوب. وهو ما قد يكون مقدمة لممارسة التمييز وليس لاعتبار انتفاء التمييز بسبب الجنس أمراً بديهياً في مساواة المواطنة. ثم أضيفت عبارة تقول إن (النساء شقائق الرجال لهن ما لهم من حقوق، وعليهن ما عليهم من واجبات، حسبما تنص القوانين وتحدده الشريعة الإسلامية). ومن الطبيعي أن ما (تحدده الشريعة الإسلامية) هو فهم لجنة التفسير في مجلس النواب لها!
وترى د. الشرقي أن تراتبية العمل بين الرجل- المنتج، والمرأة- التابع، هي تراتبية تحرص الدولة على حمايتها. كما أشارت إلى واقع أن 74% من النساء اليمنيات أميات. ولا توجد منظمة نسائية قوية في اليمن. كما أن النساء العضوات في مجلس النواب لا يتمتعن بثقافة كافية، خاصة إسلامية، تؤهلهن للرد بالحجة على المحافظين. الأمر الذي جعل كفة المحافظين هي الراجحة حكماً. ولامت د. الشرقي المنظمات الدولية على إهمالها متابعة تنفيذ الدول الموقعة على الاتفاقية لبنودها أسوة بما تفعله في مجال حقوق الإنسان مثلاً.
ثم حاضرت د. فريدة بناني (المغرب) بورقة عمل حول الثوابت والمتغيرات في النموذج الأسري القانوني. أشارت فيها إلى أن المجتمعات العربية هي في تحول مستمر. والأسرة، الخلية الأهم في هذه المجتمعات، هي أيضاً في تحول وتغير. فالمرأة لم تعد عالة على الرجل. ودخلت ميدان العلم والعمل وصارت مشاركة في إعالة الأسرة. وليس نادراً أن تكون هي المعيلة. وهكذا فقَدَ التصور الذي يضع الرجل في موضع المنتج والمعيل الوحيد، وبالتالي في رأس هرم الأسرة، مبرره. وتحول إلى رجل خيالي في ذهن المشرع لا غير. وصارت القوانين قوانين تمييزية ضد المرأة على نحو صارخ. وهذا الفرق بين واقع تطور الحياة وواقع جمود القوانين خلق تناقضاً مهماً تعانيه المجتمعات العربية، والنساء بخاصة.
واعتبرت د. بناني أن التعليم هو مدخل أساسي لتحرر المرأة. فالعمل الآن يشترط التعليم. وعمل المرأة يعني تساويها في الواجبات، مما يستدعي تساويها في الحقوق. وتساءلت (بعد هذا التناقض، هل ما تزال قوانين الأسرة العربية تعبر حقاً عن مجتمعاتها؟). وختمت محاضرتها بالتساؤل: أي قانون نريد في القرن الحادي والعشرين؟ أي قانون للمساواة والمواطنة؟
في نهاية الجلسة فتح نقاش عام بين الحضور والمحاضرين. تساءل فيه المحامي أنور البني عن جدوى البحث عن حلول تحت سقف الشريعة التي مضى على وضع سقفها 1400 عام. واتهم المنظمات النسائية بالغوص في التفاصيل (المهمة مع ذلك)، وترك الأهم الذي هو السقف الذي يحدد كل شيء. وتساءلت المحامية لويزا عيسى عن دور المحكمة الدستورية العليا في سورية حين لم تعترض على التحفظات السورية على (السيداو) التي تتناقض مع المساواة بين الرجل والمرأة الذي يكفله الدستور. وأشار د. رزق الله هيلانة إلى أن المجتمع هو الذي يغير القانون لا العكس. ولذلك يجب صب الجهود على تغيير المجتمع أولاً. إذ لا يمكن لقوانين متطورة أن تفعل شيئاً في واقع متخلف.
السيدة سوسن زكزك تساءلت عن السر في استدعاء الشريعة الإسلامية ما إن يجري الحديث عن المرأة. بينما لا يسأل أحد عنها حين يتعلق الأمر بفرض الضرائب أو قوانين الاستثمار مثلاً؟ وأكدت السيدة هاجر صادق (رئيسة الاتحاد النسائي سابقاً) أن المرأة هي التي وضعت نفسها في أسفل الهرم بتخليها حتى عن حقوقها التي تكفلها لها القوانين الآن.
ختمت المحاضرات الجلسة بالتعقيب بأن حملات التوعية والتعليم والاستقلال الاقتصادي هي أساسية في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. لكنها لا تؤدي إلى ذلك تلقائياً. فالقانون هو الأداة الفعالة في حماية النساء من التمييز ضدهن، وفي تحقيق مساواتهن بالرجال. ومن دون قوانين عصرية لا تمييزية لا يمكن أن تكون هناك مساواة.
دور المؤسسات الاجتماعية والدينية في معالجة قضايا الأسرة: "القوامة" تعني الرحمة لا السيطرة!
عُنوِنت الجلسة الثانية من المؤتمر الإقليمي حول المرأة والمجتمع بالعنوان: (دور المؤسسات الاجتماعية والدينية في معالجة قضايا الأسرة). وقد دعي للمحاضرة في هذا الموضوع كل من الأرشمندريت أنطوان مصلح، رئيس المحكمة البدائية بدمشق، ود. عبد الرزاق المؤنس، معاون وزير الأوقاف.
تحدث أولاً الأرشمندريت مصلح عن قانون الأحوال الشخصية لدى الطوائف الكاثوليكية الشرقية. فأشار إلى ما ورد في سفر التكوين من أن الله خلق الإنسان، ذكراً وأنثى، على صورته ومثاله. وبضمن ذلك المساواة بين الرجل والمرأة. ورأى أن (هذه المساواة ما هي إلا تكريم للمرأة). وأن التشريع الكنسي الكاثوليكي ترجم تلك المساواة في قوانين الزواج. فقد عدَّ الزواج عقداً ما بين الرجل والمرأة أمام الله أن يكون أحدهما للآخر مدى الحياة.
فأشار إلى (السرّ) الذي وضعه الله في الزواج. كما أشار إلى أن الرضاعة في قانون الزواج المذكور، محصورة بالأم. أما سائر السلطات الوالدية الأخرى فهي محصورة مبدئياً بالأب. وتنتقل إلى الأم حصراً فيما إذا توفي الأب أو حُرم من سلطاته. وشرح الأرشمندريت مصلح بالتفصيل بعضاً من قوانين الزواج لدى الطوائف الكاثوليكية الشرقية. ملخصاً دور المؤسسة الدينية الكاثوليكية الشرقية في تطبيق القانون الكنسي الكاثوليكي على أنه خير ما يحقق المساواة والتقدير للمرأة.
بعد ذلك تحدث د. عبد الرزاق المؤنس مرتجلاً عن أنه (ليس هناك مشكلة للمرأة في المنطقة مع الدين)، إنما المشكلة في فهم النص الديني. فمثلاً، حين وردت الآية أن الرجال قوامون على النساء، وردت بمعنى الرحمة والعطاء والحب. وهذه ميزة للمرأة لا انتقاص لها. بينما فهمها بعضهم على أنها قوة للرجل على المرأة وسيطرة له عليها. وعبر الكثير من الشواهد والأمثلة الشروح أكد د. المؤنس الفكرة ذاتها من أن الإسلام أنصف المرأة خير إنصاف. إلا أن شروح الناس للنص واختلاط الشروح بالنص أديا إلى سوء فهم للدين الإسلامي يظهره كما لو أنه ظلم المرأة.
ثم فتح باب النقاش بين الجمهور والمحاضرين. فكان الوقتَ الأكثر تميزاً من حيث التفاعل والمشاركة. فقد رأت المحامية مجدولين حسن أن الخطأ الذي ما نزال نقع فيه هو (استمرار اعتبار الدين مصدر التشريع). بينما نحتاج إلى وضع قوانيننا المناسبة لحياتنا، ونترك خلافات الأديان بينها وخلافات الدين والمتدينين خـارج القوانين التي تنظم حياتنا. وأكـدت د. جورجيت عطية أن الطلاق هو حاجة إنسانية لبشر يلتقون الآن بانسجام ووفاق، وقد يختلفون غداً. فإذا لم تكن هناك إمكانية الانفصال هذه -كما هو الحال في بعض الطوائف المسيحية- فإن الحياة تتحول إلى عامل تدمير للأطراف كلها. وهذا موقف مع الطلاق الموضوعي لا الطلاق التعسفي الذي يلجأ إليه البعض ويحميه القانون الحالي. هذا الأمر يدفع مباشرة إلى أن الزواج المدني هو الحل الوحيد بمقابل الزواج الكنسي.
وفيما يخص مداخلة د. المؤنس تساءلت د. عطية عن مدى غرابة أن تخرج امرأة على فضائية عربية لتعلن على الملأ أنها تؤيد تعدد الزوجات! بينما تثبت كتب التاريخ الإسلامي كلها صراع الضرائر بين نساء الرسول. ولمصلحة من تغسل عقول النساء في بيوت سرية تحت ستار تعليم الدين بتخويفهن من كل شيء في حياتهن وتحويل خيالهن إلى رعب جهنم وعذابها، وزرع الإحساس بالإثم والعار والعيب من كل ما يخصهن؟ وألقت بالمسؤولية على رجال الدين الذين يدأبون على هذه الممارسات عبر كل الوسائل المتاحة لهم. ثم توجهت باللائمة على رجال الدين المتنورين متسائلة: لماذا لا يكون لهم كلمة معلنة في إنتاج قانون أسرة عصري يحمي المرأة، وبالتالي يحمي الأسرة والمجتمع معاً؟
أما الأستاذة نوال يازجي من رابطة النساء السوريات، فقد تساءلت عن رفض التلاقح الحضاري مع الغرب الآن. بينما خرج الإسلام من شبه الجزيرة العربية حاملاً بعداً وحيداً للحضارة، ثم تلاقح مع كل الحضارات التي التقاها ليبني من ذلك المزيج حضارة شعت على العالم أجمع. لماذا علينا الآن أن نخوض إذاً صراع حضارات مع الحضارة التي تسبقنا؟ واستغربت السيدة يازجي أن تجري إحالة أية قضية تتعلق بالمرأة في مجلس الشعب (قانون الحضانة. اتفاقية السيداو..) إلى لجنة مغلقة الأبواب لتقول كلمتها النهائية التي لا يناقشها فيها أحد فيما يجوز أو لا يجوز. بينما لا يجري سؤال رجال الدين عن أي قانون آخر قد يكون أكثر أهمية لحياة الناس كقوانين الاقتصاد والسياسة والمجتمع وما إلى ذلك!
المؤتمر الإقليمي الأول
السيدة سوسن زكزك من رابطة النساء السوريات، سخرت من السباق المعكوس في منطقتنا. (فحين يكون هناك تراجع يتسابق الجميع إليه. وحين يكون هناك تقدم ينفض الجميع من حوله!) وهكذا تفاخر إحدى الطوائف المسيحية بأن قوانين الطلاق فيها قد شددت حتى لا يقال إن أحداً يغير طائفته إليها سعياً وراء الطلاق الميسر! وأعلنت السيدة زكزك رفضها لقانون زواج يجعل منها خادمة لزوجها. وسألت د. المؤنس: (أنت معاون وزير، أي أنك في موقع القرار. قل لي لماذا لا يفتح باب الاجتهاد؟ كيف نفتحه؟ ألا يقول مجتهدو الدين الإسلامي إنه يُرسل لنا كل مئة عام من يجدد لنا ديننا؟ ألا يعني هذا أن الأمر برمته مفتوح للنقاش والتطوير؟.
السيد أكرم البني رأى أن الإشكالية ليست في التفسيرات المختلفة أو في فهم متباين. بل تكمن في نص ثابت يجري تطبيقه على واقع متغير ومتحرك. وتساءل: لماذا لا يبعد الدين السامي عن ملوثات الحياة ودنسها؟ لما لا يبقى كما هو في الأصل: علاقة بين الخالق والمخلوق. علاقة شخصية! وتعود أمور حياتنا لننظمها بأنفسنا وفقاً للتغيرات والتطورات التي نعيشها؟
العنف الأسري في البلاد العربية أزمة هوية الرجل والمرأة معاً!
تناولت الجلسة الثالثة من مؤتمر المرأة والرجل قضية (العنف الأسري في البلاد العربية وآثاره على المرأة والأسرة والمجتمع). وقد حاضرت فيها الأستاذة رفاه ناشد (سورية- محللة نفسية، جامعة السوربون) فتساءلت: (هل الأزمة الحالية هي أزمة المرأة والرجل؟ أم هي أزمة الرجولة؟ أم هي أزمة هوية الاثنين معاً؟). وعرضت، من تجربتها العلاجية، أن نسبة إصابة الرجال بالإضرابات هي أكثر من نسبة إصابة النساء. ومراجعتهم للعيادات هي أعلى. فهو يبحث (عن مكان للإصغاء كي يحدد هويته المفقودة.. لقد دفع الرجل ثمن هوية المرأة. واليوم يجد نفسه أمام إنسانة حرة تعمل وتنجب وتربي وتستمع..). لعل هذا الشيء يخيف الرجل من فقدان ما كان له: مكانته!.
وأكدت الأستاذة ناشد أن الرجل والمرأة مختلفين فيزيولوجياً ونفسياً. والمساواة في مبدأ الحرية، من حيث الأثر النفسي، تركت مفهوماً ملتبساً لأنها ألغت التمايز وأعطت الرجل القيمة المطلقة التي على المرأة أن تتساوى بها! الأمر الذي لم يخلصها من واجباتها القديمة، بل أضاف عليها واجبات جديدة كالعمل. وهو ما رتب عليها ضغوطاً عصبية متزايدة وإرهاقاً متواصلاً. والنتيجة التي وصلنا إليها أن الرجل صار مهدداً بذكوريته، والمرأة محكومة بالإذعان. إذاً نحن بحاجة اليوم إلى إزالة الأسوار بين الرجل والمرأة. وإلى إلغاء قاعدة التفوق الجنسي. وأن تستطيع المرأة احتلال مركزها الاجتماعي المناسب. خاصة في الوقت الذي صار فيه العالم قرية صغيرة تتقدم علمياً بسرعة شديدة ترتب الكثير من القضايا الجديدة (الإجهاض، أطفال الأنابيب..) مما يفرض علينا أن نخرج من عزلتنا عن العالم، رجلاً وامرأة، ومحاولة إيجاد أجوبة تناسبنا وتسمح ببناء عالم مزدهر للإنسان يستطيع فيه إيجاد هويته الحقيقية.
وتحدثت الأستاذة زويا روحانا (لبنان- المنسقة العامة لمحكمة النساء العربيات لمناهضة العنف ضد المرأة) عن أن (مشكلة العنف الممارس بحق المرأة هي مشكلة منتشرة عالمياً. كما أن العنف عموماً ما يزال أسلوب تعامل داخل الدول وفي العلاقات بينها). وقد أشار تقرير منظمة الصحة العالمية إلى أن ثلث النساء في العالم يتعرضن للعنف. ثم شرحت روحانا ظروف تأسيس محكمة النساء العربيات لمناهضة العنف ضد المرأة (1996) بهدف كسر الصمت المطبق حول ظاهرة العنف ضد المرأة في البلدان العربية. وإخراج هذه الأزمة من إطارها الخاص إلى دائرة الشأن العام.
وتعرضت الأستاذة زويا إلى تقاعس الحكومات تجاه جرائم قتل النساء بداعي الشرف. وإلى الانعكاسات السلبية لقوانين الأحوال الشخصية المعمول بها حالياً، ليس على المرأة وحسب، بل على الأسرة والمجتمع كليهما. وكذلك تعرضت إلى مشكلة الزواج المبكر وانعكاساته الصحية (النفسية خاصة) وأثره في حرمان المرأة من التعليم. وخلصت إلى أنه (يجب إعادة النظر بتقاليد المجتمع الذكوري وأعرافه. ودون هذه المراجعة لن نتمكن من تحقيق التقدم المرجو).
طاولة مستديرة حول آفاق وحلول للنهوض بواقع المرأة
ختم المؤتمر الإقليمي حول المرأة والمجتمع أعماله بطاولة مستديرة شارك فيها كل من د. سمير حسن (سورية، عميد كلية الآداب، جامعة دمشق). والأستاذة لينا قورة (الأردن، المديرة التنفيذية للمعهد الدولي لتضامن النساء). والأستاذة نوال اليازجي (سورية، رابطة النساء السوريات). ود. أولي فوكت (ألمانيا، مدير البرنامج العربي الأوربي -بنيار-).
وقد طرح د. سمير حسن في مداخلته عن المرأة في التربية والتنمية، منظوراً جديداً، يجب العمل وفقه بمنظور تربوي واجتماعي جديد ينظر إلى المرأة لا كأداة مغفلة في السيرورة الاجتماعية، بل كتفاعل محوري في التربية والتنمية. ورأى أنه لا حل لقضية المرأة إلا بالحل الشامل لمشكلة التنمية. ورأى أن هناك فجوة ما بين النساء المثقفات والنساء العاديات. ويجب إيجاد الطرق للوصول إلى النساء العاديات ومخاطبتهن. خاصة عن طريق ورشات العمل واللقاءات الموسعة والإلحاح على طرح مسائل تحرر المرأة على الرأي العام بأوساطه الاجتماعية المختلفة.
وقدم د. حسن جملة من الإحصائيات المهمة. فقد أشار إلى أن المرأة العاملة تشـكل نحو 10-25% من القوة العاملة في سورية. وأن خريجي معاهد المعلمين من الإناث تبلغ 74% مقابل 26% من الذكور. وقدم في نهاية مداخلته اقتراحات بتشكيل مجموعات نسائية تجول على المؤسسات لتطرح بعض قضايا المرأة. وإنشاء قسم خاص أو معهد مستقل للدراسات النسائية يهتم بقضية المرأة. وحفظ حصة النساء في اتخاذ القرار والتخطيط للتربية وخاصة في المناهج التربوية. كما اقترح البدء تدريجياً بتخصيص نسبة من ميزانيات الدولة لمشروعات تنموية خاصة بالمرأة.
ثم تحدث د. أولي فوكت عن صمت الشارع العربي فيما يخص قضايا حقوق المرأة. وتساءل كيف يمكن التأثير في الرأي العام؟ وكيف نجري تعديلات في القوانين وعلى أرض الواقع؟ وأشار إلى أن برنامج (بنيار) يركِّز على الدول العربية بهدف عام هو تعزيز دور المرأة في المجتمع. وبأهداف جزئية تتلخص في تحسين صورة المرأة كمواطنة مسؤولة تتمتع بالحقوق الكاملة. وتعدي أطر مشاركة المرأة في الحياة السياسية. وتعدي الإطار القانوني فيما يخص المرأة. وأشار د. فوكت إلى أن ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية لتعديل القوانين. كما أشار إلى أن هذا العمل يواجه تحديات كمقاومة الأفكار المحافظة والتقليدية له. وأكد أهمية أن يكون الإعلام واضحاً وإيجابياً وقابلاً للتوجيه لفئات خاصة بالتوافق مع الهدف العام.
وأكدت الأستاذة لينا قورة أن هدف المعهد الدولي لتضامن النساء هو نشر حقوق النساء وتعزيزها والقضاء على جميع أنواع التمييز ضد المرأة وتنمية قدراتها ومعارفها ومهاراتها. وهو عمل يعتمد على العمل المدني التطوعي ويلتزم بقواعد العلنية والشفافية واحترام سيادة القانون. كما يشرك المعهد الفئات المستهدفة من النساء في رسم توجهاته. ويوثق المعهد الانتهاكات التي ترتكب بحق المرأة. كما يعقد المعهد منتدى ثقافياً أسبوعياً تتم فيه مناقشة كل الأمور المطروحة ومحاولة إيجاد حلول لها. ويقوم المعهد أيضاً بدورات توعية بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك بعض الدورات المتعلقة بالكمبيوتر واستخدام التكنلوجيا الحديثة.
وأخيراً تحدثت الأستاذة نوال اليازجي عن واقع وآفاق المرأة السورية. فاستعرضت تاريخ رابطة النساء السوريات التي تأسست عام (1946) بعيد الجلاء. وهي أول منظمة نسائية شاملة في سورية. كان برنامجها مطلبياً ينسجم مع البرامج المطلبية للحركة اليسارية في سورية. وشملت مهامها كل ما يتعلق بالمرأة السورية العاملة في المدينة والريف.
انطلقت شعارات الرابطة من شعارات حركة التحرر الوطني. ثم تخصصت أكثر في قضايا المرأة وخاصة فكرة المساواة. فعملت على رصد مختلف أشكال التمييز الواقع على المرأة في المجتمع. ثم تطور عمل الرابطة لتربط بين حقوق المرأة وحقوق الإنسان وتتناول مسائل المرأة من مختلف جوانبها. وهي تعتمد الديمقراطية في عملها، إذ تدأب على عقد الفعاليات المختلفة وتحرص على دعوة الرأي الآخر للمشاركة على الرغم من أن أصحاب الرأي الآخر ما يزالون هم المتحكمين بالأمور.
ثم اختتم المؤتمر بمجموعة من المقترحات والتوصيات شملت الدعوة لضرورة وجود مركز شامل في الدولة يعنى بقضايا المرأة. وتعديل المناهج الدراسية لنزع الصفة الذكورية عنها وإدراج فكرة المساواة بين الرجل والمرأة فيها. كما اقترح تطوير الجامعات العامة والخاصة باتجاه المساهمة في نشر فكر المساواة. وأهمية إنشاء قسم للدراسات النسائية. ومراكز لمساعدة النساء العانسات. والتفكير في إمكانية إنشاء قضاء خاص بالأسرة. واقترح أيضاً إحداث مركز لأبحاث المرأة (أو قسم ملحق بكلية الآداب مثلاً). وضرورة نشر استراتيجية وطنية لمساواة المرأة السورية بالرجل.
قوانين تمييزية
التمييز ضد المرأة
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة:
المادة: 1- لأغراض هذه الاتفاقية يعني مصطلح (التمييز ضد المرأة) أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها له، بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل.
العذر في القتل والإيذاء
قانون العقوبات السوري- المادة 548:
1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.
2- يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر.
العنف ضد المرأة
لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة- التوصية العامة 19:
6- تعرِّف المادة 1 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة. ويشمل هذا التعريف العنف القائم على أساس نوع الجنس -أي العنف الموجه ضد المرأة بسبب كونها امرأة، أو العنف الذي يمس المرأة على نحو جائر-. ويشمل الأعمال التي تلحق ضرراً أو ألماً جسدياً أو عقلياً أو جنسياً بها، والتهديد بهذه الأعمال، والإكراه، وسائر أشكال الحرمان من الحرية. والعنف القائم على أساس نوع الجنس قد يخرق أحكاماً محددة من الاتفاقية بصرف النظر عما إذا كانت تلك الأحكام ذكرت العنف صراحة أم لم تذكره.
الاغتصاب
قانون العقوبات السوري- مادة 489:
1- من أكره غير زوجه بالعنف أو بالتهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة على الأقل.