كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
الرئيسية arrow مقالات.. arrow المرآة السحرية تتألق في "أرق"
المرآة السحرية تتألق في "أرق" طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

يقال إن الحياة تتسع كلما ذهبتَ في العمق. أما جدران "أرق" النحاسية فقد عكست ما يقال، إذ اكتفت بثلاثة جدران (كنا ـ نحن المشاهدين ـ الجدار الرابع) تضيق كلما ذهبت في عمق المنصة! ثلاثة جدران عارية إلا من خطوط متشابكة بلا نظام، بلا أبواب، بلا نوافذ. الحديقة هي حيث قالوا لنا إنها حديقة. و(كراج البولمان) هو حيث قالوا لنا في (كراج البولمان). كتلة حجرية يمكن الجلوس عليها. جرن لغسيل الرأس. وعربة صغيرة تبدو مليئة بالكتب. وحاوية قمامة. هذا هو ديكور "أرق" الذي استطاع ببساطته الهادئة أن يقول أكثر مما قاله ديكور مسرحيات كثيرة اعتنت أشد العناية بالتفاصيل!

"أرق"
 
 قدمت ضمن مشروع Contacting the World (التواصل مع العالم). وهو مشروع ينفذ بالتعاون بين المجلس الثقافي البريطاني ومسرح CONTACT الشبابي في مانشستر البريطانية، وتشارك فيه فرق من بريطانيا وسوريا والأردن وباكستان وبنغلاش وماليزيا ونيجيريا. ويعتمد المشروع على توأمة الفرق وتبادل الأفكار والتجارب فيما بينهم في بناء كل فرقة لعملها الخاص. ستقدم كل فرقة عملها الخاص في بلدها، ثم تقدم الفرق جميعها أعمالها على مسرح CONTACT في مانشستر ضمن مهرجان مسرحي ينعقد في نهاية تموز الجاري.
 

"أرق" بكامل عناصرها اعتمدت هذا المفهوم البسيط: التعبير عن الأشياء والمفاهيم والأفكار تعبيراً مباشراً بسيطاً كان يمكن أن ينزلق بسهولة إلى السطحية والفجاجة. لكنه تمكن من أن يعبر هذا المطب إلى التواصل الحار مع جوهر الحياة: تعقيد شامل مبني من أبسط الخطوط. صبية قلقة ووحيدة جاءت من مدينة أخرى لتكسر ضجرها، وادعت أنها أتت لتزور صديقتها ولم تجدها، فاضطرت للعودة ليلاً إلى مدينتها، تلتقي في (كراج البولمان) شاباً قلقاً ينتظر أن يحين موعد هجرته. شاعر لا يجد من يسمعه أو يقرأه أو يهتم به. وبائع كتب صار مكتبة مكتظة بالمعلومات غير الممنهجة ومستقرة في حديقة هي كل عالمه. شاب عاطل عن العمل ومخمور. وفتاة، لا تجد من يحبها، تُطرد من الغرفة التي تستأجرها لأن شاباً (هو أخوها) زارها في غرفتها. وعلى مدى ساعة من الزمن، هي ليل طويل، فاضت هواجس هؤلاء الشباب التي لم تجد مكاناً تحت ضوء النهار لتفيض فيه. كما لم يجد هؤلاء الشباب طريقاً ليخرجوا من سجن هامشيتهم التي قسرتهم الحياة عليها.

يبدأ العمل وينتهي بالمشهد ذاته تقريباً: اللقاء في المحطة! هل هناك أشد وطأة على الشباب من حقيقة أنه يعيش الآن هامشية قاتلة قطعت كل قنوات اتصاله مع ما يفترض أن يكون مستقبله وأفقه، وتركته يحدق بعين فارغة إلى أي درجة من تحقيق الذات؟

  

أشارت بطاقة العمل إلى أن العرض بني اعتماداً على تقنية الارتجال. وربما كان النجاح الذي توصل إليه دليلاً على أن الارتجال الممنهج، أي المشاركة الفاعلة والخلاقة لفريق العمل في بناء النص، أو بعضه، يمكن له أن يقدم الكثير إذا أُحسن استخدامه كأداة.

الأهم من ذلك أن هذا العمل يعيد طرح السؤال الأهم: ما هو المسرح؟ وبعيداً عن التنظير، قدمت "أرق" جوابها: المحاكاة الواعية لحياتنا. إعادة النظر بوساطة أسلوب خاص، المسرح هنا، بما نحن عليه، وبمشاكلنا، وبما يشغلنا. شيء ما يشبه مرآة سحرية ترينا حقائقنا التي نعيشها بطريقتها الخاصة. وإذا كانت مسرحية هاملت، مثلاً، تعالج دواخل إنسانية عامة فإن أحداً منا لا يجد قناة تواصل حميمة مع كل ما تبقى من عناصرها، بدءاً من الأسماء، وحتى شكل تجسد السلطة والصراع عليها. بينما يتحقق ذلك كله في (الملك هو الملك) لسعد الله ونوس مثلاً. ألم تلعب هذه الإشكالية، إشكالية الهروب من مشاكلنا بأسمائها وأحوالها إلى ما هو عام، وربما خارجي، بالتشارك مع إشكاليات أخرى، دوراً هاماً في ما آل إليه مسرحنا من انقطاع عن الناس؟ ألا يفسر هذا إلى درجة ما، حقيقة أن المسرح التجاري يلقى من الإقبال أضعاف ما يلقاه المسرح الجاد، على الرغم من هزليته وسطحيته، لمجرد أن المتفرج يستطيع أن يرى على المنصة ما يخصه؟

نعود إلى "أرق"، فقد اخترقت، ربما للمرة الأولى في عالم التمثيل السوري بكل أصنافه، تابو الجنس. وعبّرت، بوساطة فرويد مرة، وبوساطة الاستغلال الوظيفي مرة ثانية، عن الحضور القوي لأزمة ما نزال ندفن رأسنا في الرمال عن رؤيتها معتقدين أننا في أمان! بل أكثر، اعتدنا أن نشير إلى الشباب دائماً على أنهم مستقبل الوطن، محملين إياهم كل تلك القضايا الكبيرة التي فشلنا في حلها. وفارضين عليهم أن يتوقفوا عن أن يفكروا بما يشغلهم حقيقة، أي ما يشغل الشباب في كل مكان وكل زمان: من نحن؟ ابتعدت "أرق" عن هذا الطرح السطحي ودخلت إلى العمق: سيبقى قاسيون هامشياً ووحيداً ما دام الشباب الذي يستظل فيئه ما يزال هامشياً ووحيداً!

بدا العمل كثيفاً على الرغم من بساطته. إذ خلا من أي استطالة نافلة تقريباً (باستثناء مونولوج طويل أكثر مما يجب للمخمور في حديثه مع أمه). حركات الأجساد هادئة ومتكاملة. الأوجه والأيدي تعبّر دون مبالغة أو ابتذال. الكلمات في حدها المناسب، بل حتى فترات الصمت المعبّر عرفت اللحظة المناسبة لتتوقف. الممثلون الستة قدموا أدوارهم بحرارة كان صدقها وتألقها محسوساً إلى الدرجة التي وجدت نفسي فيها أقارن أداء ممثلين فيها مع أدائهما في عمل قدم قبل وقت قصير: كأنهما ممثلان آخران تماماً! هل لأن الجميع هنا شارك في بناء نص العمل؟ يبدو أن لهذا دوراً مهماً. لكن دوراً آخر نعرفه جميعاً بدت (لمساته) واضحة تماماً، إنه دور المخرج: استطاع عمر أبو سعدة (إخراج) وباسل السعدي (سينوغرافيا) أن يقدما تشكيلاً جميلاً ومترابطاً بعيداً عن الصعود إلى السطحية أوالغرق في الغموض.

أما الموسيقى التي اعتدنا أن تكون موسيقى تصويرية في أعمالنا المسرحية، أو مقطوعات عالمية تبدو كلوحة تزيينية، أو تحاول، في أحسن الأحوال، أن تقوم مقام (المايسترو)، فقد لعبت هنا دور الممثل السابع. نطقت موسيقى إياد ريماوي ألحاناً جميلة لم توفر المناخ المتكامل مع العمل وحسب، بل قدمت أفكارها وأحاسيسها الخاصة أيضاً.

الإضاءة أيضاً لعبت دورها الكامل في هذا العرض. وعاد ماهر هربش مرة أخرى إلى فنياته الجميلة القادرة على تضييق وتوسيع المنصة، وحصْر هذه الحالة أو تلك وإطلاقها، إضافة إلى تلوينها للوحة البصرية وتفاصيلها.

باختصار، استطاعت "أرق" حقاً أن تمتعنا ونحن نراقب بقلق خطوط حياتنا بألوان مختلفة على منصة. وربما قال آخرون لأنفسهم شيئاً ما، كما قلت لنفسي: ألا يمكن أن تكون الحياة أكثر مشاركة، وأقل قساوة؟

"أرق" 
تمثيل: أميرة الحذيفي- ريم زينو- أيهم الآغا- جمال سلوم- كامل نجمة- محمد زرزور
 سينوغرافيا: باسل السعدي 
 أزياء: سالي شهابي
موسيقى: إياد ريماوي
تصميم الإضاءة: ماهر هربش
مدير الفرقة: عمار ملص
إخراج: عمر أبو سعدة

  


بسام القاضي، جريدة النور، 7/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS