كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
أول المشوار طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

  

في كل تلك الأيام المتشابهة، كنت أبقى ساهراً أقرأ حتى الصباح الذي تعلن عن قدومه أشعة برتقالية لشمس بعيدة تهرّب بعضاً منها عبر القضبان المتشابكة، وتشاركها الإعلان قرقعة المفاتيح الحديدية الضخمة تفتح الأبواب الحديدية الضخمة.

 فأسارع إلى حمل كيس (الزبالة) والركض وراء الشرطي إلى الباب الأساسي للجناح لأضعه مع كومة كبيرة تجمعت من قمامة الأجنحة الأخرى، وأقفل عائداً. فيغلق الباب ذو الحديد المتشابك خلفي، ويبقى باب المهجع مفتوحاً على الممر حتى المساء.
ذات فجر، علا زقو فراخ الدوري التي كانت قد فقست في العش المبني في فاصل التمدد المفتوح على الخارج. لم يكن الصوت كالعادة، إذ بدا عالياً وحاداً، وتهيأ لي وللبعض الساهرين مثلي أن حشرة ما، أو أفعى صغيرة قد تكون تسللت إلى العش. لكن الصوت لم يتوقف ولم ينخفض. عدنا إلى قراءتنا بعد تعليقين أو ثلاثة. وحاول كل منا أن يستغرق من جديد.
كان الوقت ما زال مبكراً على فتح الباب، والصوت يتصاعد حتى صار زعيقاً يصم الآذان، متردداً في جنباتنا، محفزاً كل خلية في جسدنا، موتّراً. ولم يكن هناك أي طريقة لا لمعرفة ما يجري، ولا لإيقافه، ولا للهروب منه. تبادلنا النظرات في البداية، ثم بدأنا نتمشى في الفراغ الصغير بين القامات النائمة متجاورة ومتقابلة على جنبي المهجع، وندخن.
الصباح يتصاعد ببطء غير مهتم بما يجرى، والسجانون يتثاءبون غير عابئين، والزمن يتوقف بينما أغرق أكثر في ذكريات صاخبة لا تهدأ، ولا تمكّنني من تذكر شيء ما بشكل كامل، نتف من هنا وهناك، نتف عنيفة ومؤلمة.
أخيراً علت قرقعة المفاتيح في الطابق العلوي، وتنفسنا الصعداء، لكن الوقت الباقي حتى يأتي دورنا في فتح الأبواب بدا كأنه أيضاً بلا نهاية. صارت حركتنا أكثر سرعة وتوتراً، وصرنا نحاول أن نضحك، فتخرج من حناجرنا أصوات شاخرة مثيرة للاشمئزاز.
وفتح الباب. انطلق أحدنا ليرمي القمامة، بينما سارعت مع الآخرين لنستكشف ما جرى. كان هناك فرخ صغير بالكاد قد نما ريشه الأول يحاول الخروج من نفق فاصل التمدد إلى الفضاء الخارجي، وقد أخرج رأسه وجناحاً واحداً وعلق. فلم يعد في استطاعته الخروج كلياً ولا العودة إلى العش. كان يخبط بجناحه الحر بقوة، ويشد رأسه الصغير بقوة إلى الخارج، بينما أبواه يطيران في دوائر صغيرة حول الجسد الصغير الذي لم يستطيعا فعل شيء له.
للمصادفة كانت النافذة الصغيرة الوحيدة التي يمكننا أن نساعده من خلالها قد أقفلت نهائياً في  العام الماضي لأن قفله العادي غير صالح. حاولنا أن نمد يدنا من هنا، من هناك، بلا فائدة. تفرجنا بصمت بعد فشل كل المحاولات. تمشينا في ممرنا ، وعيوننا تسترق النظر بين فينة وأخرى إلى الفرخ العالق.
اقتربت الظهيرة، وبدأ الزقو يخبو شيئاً فشيئاً. قرع الباب الحديدي بقوة، وسارعنا لإدخال الطعام. ثم أكملنا حياتنا الاعتيادية.
بعد أكثر من عام، حين لبست ثياباً لائقة وحملت حقيبة أغراضي الصغيرة، وعانقت كل أولئك الذين كان لا يزال عليهم أن يمضوا وقتاً طويلاً خلف الحديد المتشابك، ألقيت نظرة سريعة على فاصل التمدد ذاك، كان هناك بقايا هيكل عظمي صغير، يبدو منه جمجمة وجناح.

*- جريدة "النور"- العدد (73)-  2002


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS