إذا كنا نعيش في مجتمع ذكوري، ليس مجتمعنا فحسب بل المجتمع البشري عامة، فهذا يعني أن المطالبة بتحرر المرأة ومساواتها هي مطالبة موجهة للذكور! وما دام المطلوب ليس تبادل المواقع، أي ليس إعطاء المرأة حقاً طبيعياً أو قانونياً للسيطرة على الرجل، فيمكن الاستنتاج أن المطلوب هو إجبار الرجل على التنازل عن امتيازاته التي كرسها عبر آلاف من السنين قد لا تكون طويلة بالنسبة لعمر البشر المطلق على الأرض، لكنها الأهم بالنسبة لعمره الواعي، أي لعمره المنظم في مجتمع.
هذه مواجهة. قد تكون كلمة (المواجهة) كلمة فظة هربت منها جل المنظمات النسائية في العالم. ربما لأسباب براغماتية تتعلق بعدم إثارة الرجل الذي يمسك بيديه صولجان الحكم ومقاليد الأمور. وهذه مناورة جيدة على أن لا تستغرق أكثر من الشكل. أي شرط أن تأخذ بالحسبان شروط معركة طويلة الأمد تهدف إلى تغيير بنية العقل الذكوري والأنثوي. إضافة إلى تغيير القوانين الوضعية. فالقوانين وحدها لا يمكنها أن تفعل الكثير، رغم أهميتها، ما لم تجد من ينفذها ويحرص على تطويرها. وهو ما نلمسه جيداً في بلدنا على سبيل المثال، فبعض القوانين التي يمكن أن تكون جيدة بالنسبة لواقع المرأة العياني، لكن نادراً ما نجد امرأة تلجأ إليها. بسبب القيم الاجتماعية السائدة أولاً، وبسبب غياب الوعي النسائي عموماً بأهمية هذه الخطوات الصغيرة في فتح الطريق أمام تغييرات ثابتة، ثانياً.
يحتاج هذا العمل، ككل عمل يهدف إلى تحقيق تغيير على مستوى مجتمع، إلى شرطين مهمين: الأول هو إيجاد صيغ تنظيمية مناسبة تستطيع برمجة العمل ومتابعته واستثمار الطاقات بأفضل شكل ممكن. والثاني هو نشر القضية على أوسع نطاق وكسب المؤيدين الفاعلين لها.
يبدو الشرط الأول بالغ الصعوبة في ظل قوانين استثنائية ومتخلفة تضع شروطاً تعجيزية أمام إنشاء الجمعيات. وتمنع بالكامل إنشاء أحزاب. وهو ما أدى إلى انحصار عمل حركة تحرر المرأة في نخب قليلة تبذل الكثير من الجهود من أجل الخروج من هذا النفق. كما يبدو الشرط الثاني بعيداً عن التحقق بسبب غياب الشرط الأول من جهة، وبسبب احتكار أهم وسائل الإعلام الجماهيري في هذا المجال (التلفاز والإذاعة) وعدم إتاحة فرصة الظهور لغير الرأي الرسمي. وهو ما نلاحظه في بعض البرامج التي تطرح قضايا المرأة وتنحو إلى الإشادة بما تحقق، أو تذهب إلى إظهار الأمر على أنه مشكلات شخصية هنا وهناك قابلة للحل ببعض النصائح.
هذان الشرطان، العمل الجماهيري والتنظيم، مرهونان بحال الديمقراطية. ففي غيابها، أو ضيقها وضعفها، يضعفان أو يغيبان كلياً. وهذا ما تعانيه البلدان العربية عموماً إذ تكاد حركة تحرر المرأة تقتصر على المؤتمرات والندوات وشيئ من الحركة في المستويات العليا للمجتمع. بينما يتغير الوضع في شروط ديمقراطية مناسبة. كما هو الأمر في البلدان المتقدمة، فقد نجحت الحركة إلى حد بعيد في خلق وعي جديد مختلف لقضايا المساواة بين الجنسين، إضافة إلى قوننة هذه المساواة. وهذا ما يسمح بالقول إن تحقيق الديمقراطية شرط أولي لخروج حركة تحرر المرأة في البلدان العربية من قوقعة العمل النخبوي.
إن العمل الهادف إلى الارتقاء بالمجتمع من صيغة تقسيم العمل الجنسي القديم، بكل ما يرتبط به من قيم وحقوق وواجبات، إلى صيغة المساواة بين الجنسين، ليس عملاً مؤقتاً ولا مرهوناً بالتطورات السياسية العالمية أو الإقليمية رغم تقاطعه معهما أحياناً. بل هو حاجة ماسة داخلية تفرضها طبيعة تطور المجتمع التي فككت أسس التقسيم الجنسي القديم للعمل. إذ لم يعد من المقبول اجتماعياً، ولا من الممكن اقتصادياً تفرغ المرأة لبيتها.