كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
الرئيسية arrow مقالات.. arrow "أنا وأخي على ابن عمي".. بلد واحد أم عالم من القبائل؟
"أنا وأخي على ابن عمي".. بلد واحد أم عالم من القبائل؟ طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

 (منين حضرتك؟) سؤال نطرحه عند أول التعارف. نطرحه مباشرة بلا مواربة، أو عبر سلسلة من الأسئلة غير المباشرة، أو نسعى جاهدين لتقدير الإجابة الصحيحة عليه من ثنايا الكلام واللهجة، سيكون لهذه الإجابة دور كبير في الجانب النفسي لعلاقتنا، وفي أغلب الأحيان سيكون لها دور كبير في المستوى الاجتماعي أيضاً. لكن الأهم أن هذه الإجابة ستستدعي فوراً تقييماً سبق إعداده، تقييماً يتضمن جملة أخلاقية وسلوكية، بل وطائفية في بعض الأحيان، جملة ستتحكم بمستوى علاقتنا بالآخر لوقت طويل.

ربما كان الأمر طبيعياً قبل عدة عقود من السنين. حين كان الاتصال بين المدن مازال يتطلب مخاطرة سفر. وكانت القرى تستيقظ على صياح الديوك، بلا تلفزيون ولا راديو، وكانت العائلة تنتج أغلب ما يلزمها لحياتها البسيطة والصعبة. وكانت العشيرة هي الملجأ شبه الوحيد في الملمات الصعبة. وبالتالي،كانت المنطقة الجغرافية الصغيرة من جهة، والرابطة العشائرية أو الطائفية من جهة أخرى، تحددان أساليب العيش الاقتصادية والاجتماعية (المناسبة) لكل منطقة. لكن زمناً طويلاً مضى على هذا الأمر، وصار الوصول إلى أي مكان سهلاً للغاية، ولم يعد هناك بيت لا يتربع التلفزيون في صدره. ودمر الاقتصاد العائلي، وهاجرت أعداد كبيرة إلى المدن سعياً إلى احتمال أوسع للعمل، وبالتالي للعيش. مما أخضع الناس - أينما كانوا على امتداد مساحة الوطن الصغير أصلاً- لنمط واحد من العلاقات الاقتصادية (رب عمل وعامل)، وأدى إلى تغييرات كبيرة في حياتنا وأساليب تفكيرنا ومنظوماتنا القيمية. ولم يفلت من هذا التغيير إلا انتماءاتنا الضيقة (ربما ازدادت ضيقاً) التي تحدد الآخر وتقيمه وفقاً لجغرافية وطائفية ولادته.
لننظر إلى العاصمة دمشق الكبرى، والمدينة الأكبر والأكثر استقطاباً لمجموعات كاملة من مختلف المناطق والمدن والقرى السورية، فهي تبدو بوضوح مجموعة متلاصقة من القرى أكثر مما هي مدينة واحدة. فمن مزة جبل وعبر خط دائري يحيط بقلب المدينة ويمر بكفر سوسة، والدحاديل، وجرمانا، والدويلعة، ثم القابون، وعش الورور، ثم ركن الدين والمهاجرين، ومع الأخذ بالحســـــــبان التجمعات الأبعد قليلاً كقدسيا، ومســـاكن الحرس والسومرية وجديدة. . إلخ، نجد كل تجمع من هذه التجمعات مطبوعة بانتماء نسبة ساحة من سكانها إلى منطقة جغرافية وطائفية محددة، يمتلك أهل الساحل النسبة الأكبر من مساكن مزة 68, ويمتلك أهل السلمية حارات في كفر سوسة، بينما يمتلك أهل السويداء جل جرمانا.
يقول أبو علي من مزة جبل: (طبعاً أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب. . الحياة قاسية هذه الأيام، ومهما حدث أبقى غريباً هنا. . ). الحياة القاسية تعني ثياب البالة، والشوربة، واستعارة الخبز. الحياة القاسية تعني الازدحام في مكان ضيق وغير صحي، ليست مشكلة أن يرى ابن البلد ذلك، لكن يجب أن لا يراه (الغريب)، فهو لا يحبنا حتى لو أظهر غير ذلك. فهو سيسخر من حياتنا، إضافة إلى أنه لن يرعى حرمة البيت، إذ لا رادع لديه. هذه النظرة الشكاكة التي تجعل من ولد في غير منطقتنا أو طائفتنا غريباً وبلا أخلاق، لا تستند إلى أية وقائع في الحياة اليومية. (هذا أمر معروف) الجواب شبه الوحيد الذي يقوله الجميع عن الجميع. وكل واحد يعتقد أن الآخر ينظر إليه النظرة ذاتها.
الحياة القاسية أيضاً تعني فقدان الأمان، فالراتب القليل والعمل غير الثابت، وعمال البسطات أوالتهريب، أو السائقون بنصف دوام، و حتى العاطلون عن العمل الذين ينتظرون فرج الله وليس فرج مكاتب التشغيل الذي لن يأتي. كل هذا يجعل اليوم الحالي هو الهدف الأقصى، بينما يبقى الغد مخيفاً محملاً بكل الاحتمالات. وقطعة الأرض الصغيرة الباقية في قرية ما، وهي في كل الأحوال لا تطعم خبزاً، تبدو ملجأً أخيراً (إذا اضطررت أضع فيها خيمة وأزرع شتلة بندورة، فهي أرضي)، ولأجل هذا الاحتمال لابد من الحفاظ على العلاقات القوية مع أبناء البلد.
لا تطلب القبيلة أو الطائفة شيئاً أكثر من الالتزام النفسي بها، الإيمان بها، اعتبارها شعب الله المختار. . وتقدم بالمقابل الحماية الروحية، وشيئاً من الحماية المادية. فأعضاؤها (الواصلون) يقدمون بعض الفائدة لأبنائها المساكين. يقول أبو محمد من السلمية: »حتى الأخ يأكل أخاه هذه الأيام، لكن ابن البلد يخدم ابن بلده إذا لم يكن ذلك على حسابه، توظفت بنت جيراننا في مؤسسة تعلق على بابها منذ سنوات (لا يوجد شواغر)، لم يكلفها الأمر أكثر من زيارة واحدة لـ(. . . )، وهو لا يمت بصلة قرابة سوى أنه ابن بلدها، بينما لا تزال ابنتي التي تخرجت من معهد تنتظر عملاً منذ أكثر من ثلاث سنوات!«.
تلعب الواسطة دوراً كبيراً في تكريس الانتماء الضيق. يومياً تمر الأوراق المكتوبة بالأسود أو الأخضر، أو عبر الهاتف، لتوصي بفلان، أو تحل مشكلة هنا أو هناك. يكاد يكون الانتماء المشترك مع المسؤول شرطاً لازماً (وإن كان غير كاف في بعض الأحيان) ليقدم مساعدة ما قد لا تكون سوى إزالة عرقلة ما.
(المسؤولون مفاتيح المستقبل) يقول طالب جامعي بثقة تامة، ويتابع (أياً كان موقعك، إذا لم يكن الكبار راضين عنك فلن تصل، وإذا تساوت فرصة الرضا بينك وبين آخر من بلد المسؤول المعني، فسيكون هو الرابح بالتأكيد).
إذا نلت ثقة المتحدث، أو تأكد أن أذى لن يلحقه بطريقة ما، فسيقدم لك سيلاً من الأمثلة بالأسماء والتواريخ والانتماءات.
طالب آخر يؤكد (ليس فقط في التجمعات السكنية، حتى في المدينة الجامعية الوضع ذاته، القسم الأكبر من الغرف يقطن كلاً منها مجموعة طلاب من منطقة واحدة، وإذا صادف أن وجد شخص ما من منطقة أخرى، يسارع الجميع، باتفاق أو بطرائق أخرى، إلى تبديله مع شخص آخر في غرفة أخرى يكون من نفس المنطقة).
دمشق الكبرى ليست إلا نموذجاً كبيراً من باقي المدن السورية، خاصة تلك التي تتمتع بشيء من النشاط الاقتصادي، أو هي مختلطة الطوائف والقبائل أصلاً. مع ذلك، قلة فقط هي التي تعتقد أن هذا هو السلوك الصحيح. أما الآخرون فيؤكدون أنه واقع متخلف، وقد تكون له نتائج أكثر سوءاً في المستقبل. لكن (لا يمكننا فعل شيء، حين يمكن أن تحاسب الكبار وتمنعهم من هذا السلوك التمييزي، يمكن أن تطالب الناس بطريقة أخرى في التصرف، حتى الحديث في هذا الموضوع علناً هو حديث ممنوع. هل أنت متأكد أنك لن تحاكم بتهمة المساس بالوحدة الوطنية؟!).


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 28


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS