(اللهم نجّني من التجربة). دعاء يردده ملايين البشر كل لحظة، بمختلف لغات الأرض، ومختلف أديانها وعقائدها. لكن، في يوم من الأيام، منذ زمن مغرق في القدم قرأت (اللهم أعطني التجربة لأكون جديراً بك)، في مكان ما، فارتعش جسدي وتداخلت الألوان أمامي.
و(تلخبطت) قوانين الأشياء التي اعتقدتها آنئذ (في العمر الذي يكفي فيه أن تفكر بأمرٍ ما لدقائق كي تعتبر تفكيرك اعتقاداً).
هل حقاً يُسرُّ الله إذا جانبْنا التجربةَ، وعشنا على سطح الأرض كما لا يعيش أي كائن حي؟ هل حقاً يريدنا أن ننتظم في قوانين دقيقةٍ صارمةٍ مسبقةٍ، لا نحتاج معها لأكثر من أن ندور كما يدور حجر الطاحون، إلى أن نهترئ في هذا الوجود، ونرتقي مدارج الوجود الآخر؟. هل صحيح أن الله خلقنا لنتبعه، كما تتبع الأغنام الراعي؟ إذاً لماذا (وهو الكلّي القدرة) هيّأ لأدم وحواء الظروف ليأكلا ثمرة شجرة المعرفة، ويعرفا، ويجرّبا، وينفصلا، ويعاودا بناء حياتهما، وحياة سلالتهما التي لم تنته بعد؟. لماذا ترك لموسى أن يتيه في الصحراء أربعين عاماً، ولشعبه أن يعبد بقرة الكنعانيين؟ وترك لعيسى أن يُسجن ويُصلب ويخونه أقرب تلاميذه؟ وترك لمحمد أن يهجر مكة وينتصر في بدر وينهزم في أحد ويصمد في الخندق؟ لماذا سمح لشعوب الأرض أن تضلّ وتهتدي، وتضلّ وتهتدي، وتضلّ إلى يوم الدين؟ لماذا ترك لكلماته أن تختلف في التفسير والتأويل والاجتهاد والقياس؟ لماذا ترك لمحبيه أن ينقسموا أدياناً وطوائف وعشائر وأفخاذاً وعائلات وأشخاصاً؟.
لكن الله أرادنا كذلك. لم تشأ حكمته أن تجبلنا دمى في مسرح عرائس ضخم. ولا مسلوبي الإرادة في عالم أخبرنا أنه سيحاسبنا على أعمالنا فيه. ولا تبّع عميان يسيرون دون أن يعرفوا كيف وإلى أين.
التجربة هي ما أراد الله لنا أن نختبرها، أن نخوضها، أن نتعلم منها ونتطور معها. التجربة هي تلك التي تميّز الحجر الجماد، الذي لا فعل له بين ماضيه ومستقبله سوى ما يفعله فيه الخارج (مطر وشمس ورياح)، عن البشر العارفين ماضيهم، والراسمين مستقبلهم أياً كان نصيبه من الجمال والعدل والحق. وهي التي تميز الحيوان البهيم الذي يعبر حياته متطابقاً تمام التطابق مع جسده، طيراً كان أم زاحفاً، ماشياً أم سابحاً، تميزه عن الإنسان الذي يبحث عن رفع مدارك وعيه، ويسعى إلى رفع مطالب جسده إلى مستوى مداركه. الإنسان هو الوحيد القادر على خلق احتمالات متعددة لمكوّن واحد، ورؤيتها، وموازنتها، وتقييمها، والاختيار بينها في كل أمر يواجهه. هو الوحيد الذي يستطيع أن يتحكم بدوافعه الأساسية، يخضعها أو يخضع لها، أو يجد توازناً ما يختلف من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان. يطورها أو يحطمها أو يمضي حياته في صراعه معها. وهو الوحيد الذي يستطيع أن يقرأ هذه الاحتمالات. أن يستنتج منها هذا الأمر أو ذاك. أن ينتقل من هنا إلى هناك.
لكنه أرادنا هكذا. أرادنا شبيهين به. لائقين بالانتماء إليه. جديرين بعالمه. فلم يتركنا على هذه الأرض فقط. بل ترك لنا كل ما فيها من أشياء وأحياء وقوانين واحتمالات وإمكانات. وترك لنا الشرط اللازم، وغير الكافي لنفعل ذلك: الحرية.