أثار انتقادي لنخبوية عمل المنظمات الداعية إلى تحرر المرأة استياء بالغاً لدى من قرأها من أنصار تحرر المرأة. وهو ما عبرت عنه السيدة سوسن زكزك، الناشطة في رابطة النساء السوريات، في ردها عليَّ المعنون (للفقر وجه امرأة) المنشور في العدد 131 من (النور). وأرغب في نقاش نقطتين في هذا الموضوع الشائك:
النقطة الأولى هي الدفاع عن المهر بصفته سلاحاً أبيض أنثوياً في وجه أسلحة متطورة ذكورية. رغم الاعتراف بأنه جزء من منظومة قانونية متخلفة. بينما أرى أن المهر ليس سلاحاً أبيض، بل هو سلاح بالغ الفعالية من ناحية. ومن ناحية ثانية أن مشكلته الأهم هي في أنه سلاح يطعن في اتجاهين: في صدر الرجل والمرأة معاً. فكلنا يعرف أن المهور في المجتمعات الإسلامية هي واحد من أهم ثلاثة أسباب في عنوسة الرجال والنساء (مشكلة السكن وغلاء المعيشة أو البطالة وغلاء المهور). وواحد من أهم الأسباب في إشكالية الطلاق. فإضافة إلى تسببه في العنوسة هذه، يعمل المهر المرتفع على إغلاق احتمال الطلاق حين يصير الطلاق حلاً معقولاً في زواج فاشل. إذ كثيراً ما يعجز الرجل عن تأمين المبالغ الخيالية التي اضطر إلى تسجليها مهراً مؤجلاً. وترفض المرأة التنازل عن (حقها) هذا. فتستمر الحياة الزوجية ملأى بالمشاكل والتوتر، أو تذهب إلى محاكم لا تعرف قيمةً لزمن فتستمر إلى ما لا نهاية. النقطة الثانية هي الأهم برأيي. وأعتقد أنها تشكل نقطة ضعف أساسية في عمل الداعيات إلى تحرر المرأة، منظمات وأفراداً. وهي التجاهل المطلق لواقع الرجل ورأيه ومشاكله وهواجسه فيما يخص تحرر المرأة. ولأننا نعيش في مجتمع ذكوري يضطهد المرأة ويعدّها كائناً من الدرجة الثانية، يُختزل الرجل إلى مضطهِد للمرأة، مناهِض لتحررها. إذا كان الجميع يتفق على أن ذكورية المجتمع وأعرافه وتقاليده وقوانينه هي خلاصة تراتبية اقتصادية اجتماعية، ونتيجة لتقسيم عمل استمر لآلاف من السنين، أفليس من الواجب أن ننظر إلى هذه التراتبية وهذا التقسيم في وضعهما الحالي وفي مدى تغيرهما موضوعياً؟ لنتساءل: كم من النساء في بلدنا يعملن بأجر (أتجاهل قصداً العمل المنزلي غير المأجور)؟ وكم منهن متزوجات؟ وكم من المتزوجات منهن يضعن دخلهن كاملاً في تصرف حاجات الأسرة؟ لعلنا لا نحتاج إلى إحصائيات لنقر بأن النسبة لن تكون كبيرة، لا قياساً بعدد النساء الكلي، ولا قياساً بعدد الرجال في التقييم ذاته. ألا يدعو ذلك للتساؤل، بعيداً عن الأمنيات، إن كان يمكن لمجتمع ما أن يعطي المعال، أو المعيل الثانوي، حقوق المعيل الرئيسي نفسها؟ بالتأكيد هناك مشكلة حين يكون المعيل الرئيسي هو المرأة في ظل قوانين تمييزية. عادة ما تكون المرجعية فيما يخص قضايا التحرر والديمقراطية عموماً، وليس ما يخص قضايا المرأة وحدها، هي التجربة الغربية. وهذا أمر طبيعي في ظل السبق الحضاري الغربي (بغض النظر عن الانتقادات). لكن قضايا التحرر هناك انبثقت من تغيرات أساسية في الواقع قبل أن تتكون أفكاراً وأطروحات، ومن ثم نضالاً وقوانين. ربما من المهم الإشارة إلى أن الثورة البرجوازية، أو الإنتاج الآلي الواسع، حطم نمط الأسرة القديمة تحطيماً نهائياً باعتماده على الفرد كمعطى أولي. وصارت قيمة الفرد، بل وجوده، رهناً بعمله المأجور حصراً. هذا الارتباط النهائي بين عمل الفرد، رجلاً وامرأة، ووجوده المادي، هو الذي فتح إمكانية المساواة في القيم والحقوق والواقع بينهما. لكن، هل هذا الذي يجري في بلدنا مثلاً؟ ألا تبقى أغلب النساء في بيوت أهلهن، ما لم يتزوجن، سواء عملن أم لم يعملن؟ أَوَلا يصرخ الكثير من النساء في وجوه أزواجهن أن دخلهن ملك لهن يصرفنه على (مكياج) أو لباس أو ذهب، وعلى الرجل، لأنه الرجل، أن يؤمن تكاليف معيشة أسرته؟ ثم هل من العدالة النظر إلى العمل الذي يقوم به الرجل، والذي يمتد إلى اثنتي عشرة ساعة في كثير من الحالات ليستطيع تأمين دخل مناسب في ظل الغلاء الفاحش وتدني الأجور، النظرة نفسها إلى عمل المرأة الذي غالباً ما يكون وظيفة في الدولة (بطالة مقنعة!) تجلس فيه خلف مكتب، وربما تحوك الصوف وتشرب القهوة؟ من جهة أخرى، حُمل حديثي عن ارتباط قضايا تحرر المرأة بقضايا تحرر المجتمع على فهم خاطئ هو أنني أؤجل قضايا المرأة حتى تُحل قضايا المجتمع. واتُهمتُ بالشمولية على أنها شتيمة (وأنا لا أراها كذلك). لكن هل هناك من يقول لي كيف سأتصرف حين يتم التحرش بزوجتي التي ترتدي تنورة قصيرة، أو بلوز body في حارة محافظة؟ هل أتجاهل الأمر على أنه لا يخصني؟ هل أقول لزوجتي: تصرفي أنت؟ هل أحاضر في أهل حارتي عن حرية المرأة؟ وحين تطالبني أختي، على فرض أنها تعمل في معمل الغزل ولديها وردية مسائية، أن ألاقيها لكي لا تمشي وحيدة في ليل الشتاء المظلم، فهل أرفض على أساس أن المرأة هي كائن مساو لي، وعليها أن تتحمل مسؤولية عودتها ليلاً؟ وحين ترفض حبيبتي الزواج مني لأن أباها وأمها غير راضيين عن هذا الزواج (بغض النظر عن قوانين الولاية التي لا تعرفها) فما الذي علي أن أفعله؟ ما قصدته هو أن تحرر المرأة، أكثر من أي قضية تحرر آخر، لا يمكن له أن يكون مفارقاً للمجتمع بعاداته وتقاليده بدرجة كبيرة، ولا يمكن له أن يتجاهل تشوهات استقلالية المرأة في بلداننا، ولا هواجس الرجل المرتبطة بواقعه ودوره، إذا أردنا أن نحقق تطوراً على الأرض. ولم أقصد أن نوقف النضال لأجل تحرر المرأة بانتظار تحرر المجتمع. لكنني لا أحمل الكثير من التفاؤل فيما يخص تحرر المرأة ما لم تنجح هذه الحركة في التخلص من نظرتها إلى الرجل على أنه عدو، والبدء في تفهم أن الواقع المادي هو الأساس في صنع القيم، لا العكس. تابعتُ المؤتمر الإقليمي حول المرأة والمجتمع. وحين وقفتْ إحدى أشهر النساء المدافعات عن تحرر المرأة في بلدنا لتصرخ بتوتر مقلق: (قريباً سيكون في إمكان المرأة أن تحمل وتنجب دون أي حاجة إليكم معشر الرجال)، انتابتني قشعريرة ذكورية (لا أعتقد أنها صفة مخجلة). ليس لأنني سأكون بلا ضرورة بيولوجية بعد وقت قليل(!) بل لأن خيبة أمل مفرطة اكتسحتني في تلك اللحظة وأنا أسمع اختزالاً كهذا ينبذني، ولم أجد فيه إلا اختزال الرجل التقليدي للمرأة وقد قُلبت فيه الأطراف!