كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
الرئيسية arrow مقالات.. arrow ندى الحمصي في حوار خاص: على كل منا أن يكون.. نبياً!
ندى الحمصي في حوار خاص: على كل منا أن يكون.. نبياً! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

فتاة تدرس بجد. تنجح في دراستها. تحصل على عمل وتتقنه. تتزوج. ترتب البيت والعلاقات والناس والأعباء التي تتزايد يوماً وراء يوم. ومع كل تنبيه من الساعة التي تضبط حياتها بدقة شديدة، تلتفت لتنجز عملاً ما دون أن تتوقف لتلتقط أنفاسها. ثم؟ لا شيء. تحمل أكياسها التي تحتوي حياتها، وتمضي خارج الحياة، بينما تستمر الساعة في المطالبة بالتزام جديد.


مرة أخرى، تتحرك الفنانة المشهورة من عرض إلى آخر. من نجاح إلى آخر. من باقة ورد إلى أخرى. وعوضاً عن الساعة التي تحكمت بحياة الفتاة الأولى، يعلو الطرق على الباب منذراً بقادم جديد أو عمل جديد أو التزام جديد، ليقطع عليها الرغبة الوحيدة التي أرادتها، شرب كأس ماء، ولم تستطع تحقيقها طوال حياتها. حتى حانت اللحظة التي أطفأت فيها أضواء الشهرة والمجد. فشرعت تسكب محتويات الكأس على وجهها العطش بضحكة هستيرية.
هذه المرأة التي جسدتها ندى الحمصي في (امرأة ونساء)، العمل الذي كتبه وأخرجه د.محمد قارصلي، ألا تشبه ندى الحمصي ذاتها؟
لم يكن هذا حواراً عن الفن، بل عن الفنانة. عن حياة إنسانة لم تعد منفصلة عن كونها فنانة، كما لم تقبل أصلاً أن تكون منفصلة عن أن تكون عربية.
كذلك لم يكن حواراً تقليدياً. بأسئلة وأجوبة. بل أشبه ما يكون بتداعٍ لامرأة عملت كثيراً. ورحلت كثيراً. وحين وصلت إلى كندا، فاجأتها صورتها هناك: (نحن لسنا عندهم، في القسم الغربي من العالم، إلا الموضوع المفضل للسخرية!). ومن خلال دموعها تراءى لها أن عليها أن تحل محل السفراء ووزراء الإعلام لتقاوم التشويه والتغييب الذي يمارس يومياً ضد أمتها دون أن يجد من يصححه.
(قررت أن أصفق لأي عمل، مهما كان، هنا في بلدي. يكفي كل ذلك التشويه والتيئيس والإذلال الذي يُمارَس علينا هناك. ليكن هنا لصوص وفساد. نحن أصلاً نعيش في هولوكوست مغلق. ولا أحد ينال الاحترام الذي يستحق ولا التقدير الذي يستحق. لكن ماذا تنفع الشكوى؟ ماذا يغير تعليق المساوئ والمشاكل على شماعات الآخرين؟ ليبدأ كل منا بحمل صليبه على ظهره. هذا ما أردته من تجربتي هذه (امرأة ونساء). أردت أن أحملها وأسافر بها إلى كندا. إلى أمريكا. إلى كل مكان أستطيع الوصول إليه. عساني أثير تساؤلاً بسيطاً: من هذه؟ من أين أتت؟ كيف هي مسلمة دون حجاب؟ هل هذه التي تمثل إيمائياً من سورية بلد الإرهاب؟ أريد أن أستفز السؤال فيهم. الناس العاديون لا يعرفون إلا ما تقرره الـC.N.N التي ترى شاشاتها أينما اتجهت: في أنفاق المترو، على منصة المطعم، في صدر السوبر ماركت. أينما كنت تجد الـC.N.N تغسل أدمغة الناس. بعضنا هناك يقدم لها المادة الدسمة التي تريد، بغباء أو سذاجة. يأتي مذيع ليسأل عربياً: إذا احتل غزاة من إسرائيل بلدك، فهل أنت مستعد لقتلهم؟ الإجابة دائماً هي نعم. وهل تذهب إلى الجنة إذا قتلتَ الإسرائيليين؟ طبعاً نعم. ويصاغ اللقاء بطريقة نبدو فيها متشبعين بنزعة القتل العنصري بأمر من الدين!
وما الذي يفعله المسؤولون هناك؟ لا أعرف. لكن أحداً لا يفعل شيئاً ليصحح الصورة. وما الحجة عن اللوبي الصهيوني الذي يمنعنا من العمل إلا تبريراً واهياً. لذلك قررت أن أكون أنا المسؤول والسفير ووزير الإعلام، وكل من يمكنني أن أكونه في محاولة، مهما كانت صغيرة، للقيام بواجبي تجاه بلدي وأمتي.
هنا أيضاً مشكلة كبيرة. قلة هم الذين يعملون بضمير وإخلاص بعيداً عن مصالحهم الشخصية ومحسوبياتهم. وهذه ليست مشكلة فردية.بل شبكة مصالح تبدأ من هنا وتلفّ العالم. لذلك لا معنى للاحتجاج بالظروف. قد لا تتغير الظروف. وهي لن تتغير من تلقاء نفسها على كل حال. يجب أن يشرع كل منا في أن يعمل بدأب وإخلاص في أشد الظروف صعوبة. لا أن ينتظر دعوة من هنا وتكريماً من هناك. مسؤوليتنا مضاعفة أكثر من أي مكان آخر في العالم لأننا نعيش وضعاً مزدوجاً: مضطهدون من الخارج ومن الداخل. نحن بحاجة إلى أن نغير ذهنيتنا. طريقة تفكيرنا. وبدل أن ننتظر السعادة والخلاص الفردي، علينا أن نعمل كل ما في وسعنا لأجل خلاصنا معاً. في السبعينيات من القرن الماضي كان الشيوعيون يقولون هذا الكلام. وكنت أسخر منه باحثة عن سعادتي ومجدي الخاص. الآن أعرف أن لا مجد خاصاً لفرد في أمة مهانة. فاجأني كل هذا الانكسار الذي صادفته هنا بعد غيابي بضع سنين في كندا. حتى إن أحداً لم يجد الوقت الكافي ليتعاون معي في تحقيق عمل بسيط ومميز يمكن أن أقدمه هناك بهذا الهدف. حتى د.محمد قارصلي قال ساخراً: (أنا كنتُ عبقرياً. والآن جدي أحداً غيري)، لكنه الوحيد الذي قدم النص والإخراج. لأنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك.
تحدثتُ كثيراً في السياسة. لكن العالم كله يرانا بهذه العين. وعلينا أن ندرك ذلك.
على كل حال أنا لم أكن اختصاصية إيماء في يوم من الأيام. لكنني التزمت بدورة أقامها د.عصمت خاصة بالإيماء. كنت مع عدد آخر من الزملاء (غسان مسعود، ماري صليبي، سوزان الصالح، غسان جباعي، وآخرون..). تعلمنا فيها مبادئ الإيماء. كان أمراً جديداً وصعباً. فهو يتطلب الإتقان العضلي والمزاجي. فهنا يختلف الأمر عن التمثيل العادي. إذا لم يكن مزاجك مناسباً ومتناغماً تماماً مع العمل، فلن يكون في إمكانك نقل الحركة بطريقة صحيحة. أنجزناً عرضاً في هذه الفترة. لكن الظروف أخذت كلاً منا في اتجاه. وأنا رغبت في الإكمال. فحورت العمل بما يناسب ممثلاً واحداً وأكملت عرضه.
تتميز لغة الإيماء أنها تصل إلى الجميع، الكبار والصغار، المثقفين والعاديين، المحليين والغرباء، بنفس الدرجة. هناك ثيمات خاصة متعارف عليها عالمياً. لكن يمكن لأي حركة أن تتحول إلى إيماء. رفع كرسي وهمي مثلاً. أو تعثر بغرض ما. هناك في العالم مسرح إيمائي يعالج قضايا فكرية معقدة. أنا لم أحضره.
في زيارتي هذه إلى بلدي، كان أكثر ما سرني أن د.سامر عمران (مدرس في المعهد العالي للفنون المسرحية- خريج بولونيا) اختصاصي إيماء ويقوم على تدريب مجموعة إيمائية شابة تعمل بجد ورغبة. شباب يدرسون في المعهد ويتعلمون فن الإيماء. هذا أمر رائع. الإيماء يتطلب ما سماه د.سامر (ذاكرة عضلية). يعني إتقاناً ودأباً ومثابرة. وأعتقد أن هذه المجموعة ستحقق ذلك.
سأعود إلى السياسة. ما هو الفن؟ الفن هو حضارة. لذلك حطموا متحف بغداد بطريقة تدفع المرء للاعتقاد أن هدف الغزو كان تدمير المتحف! طبيعي. أعتقد أن الآثار هي أهم الأدلة التي تبرهن على أنه ليس لإسرائيل حق في هذه الأرض. وعليهم تدمير هذه الآثار ليختفي التاريخ. على كل حال أنا  مقتنعة أنه ليس لإسرائيل أن تخلد في هذه الأرض مهما طال الزمن. الأتراك حكمونا 400 عام وخرجوا. نحن حكمنا الأندلس 700 عام وخرجنا. وهم سيخرجون عاجلاً أم آجلاً.
لم تخرج ندى الحمصي عن اهتمامها بالهم العام يوماً. لكنها الآن، بعد ثلاثة أعوام ونصف في كندا، وفي الوقت الذي صارت فيه كلمة عربي هي تهمة بحد ذاتها، تقدم انتماءها إلى هذه الأرض وهذا التاريخ على كل شيء. وتعلن بصراحة: قررت أن أصير نبياً.

ندى الحمصي:
- خريجة أدب إنكليزي من جامعة دمشق.
- رسول من قرية تميرة. تأليف ممدوح دياب. إخراج فواز الساجر.
- الحفارة- إخراج جواد الأسدي.
- لكع بن لكع - إخراج وليد قوتلي.
- العائلة توت- إخراج جواد الأسدي.
- خيوط من فضة- إخراج جواد الأسدي.
- ثورة الزنج- إخراج جواد الأسدي.
- برج الحمام الجديد - إخراج د.رياض عصمت.
- الاختيار - تأليف وإخراج د.رياض عصمت.
- موزاييك- إخراج د.محمد قارصلي.
- طابعان على الآلة الكاتبة- إخراج د. محمد قارصلي.
- فجر وغروب فتاة تدعى ياسمين- إخراج د. محمد قارصلي (فازت بعدة جوائز).
- سعدة سعدة- إخراج د.محمد قارصلي.
إضافة إلى أنشطة مختلفة في اليابان وأفلام مختلفة مع د.محمد قارصلي. وبعض المشاركات في كندا.

  


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 115


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS