ليس الخوف قيمة سلبية بإطلاق كما تؤكد ذلك أمثالنا الشعبية ومنظومتنا القيمية التي تشيد بالشجاعة والإقدام وتذم الخوف على الدوام. فهو نزوع طبيعي في الكائنات الحية لضمان عدم خسارة كبيرة في مواجهة مختلة القوى اختلالاً كبيراً. فخوف الأرنب الذي لا يملك أية وسيلة دفاع، وخوف الإنسان البدائي من البرق الذي يصمُّ الآذان ويحرق الأشجار الضخمة، وخوف الفرد من تجاوز (حدوده) في البلدان التي تحكمها ديكتاتوريات شديدة، هو خوف مبرر بالتأكيد.
لكن هذا الخوف يفقد هدفه وقيمته الإيجابية حين تُضخَّم النتائج المترتبة على فعل ما إلى درجة اعتبار أي ثمن له هو ثمناً باهظاً يبرر اللجوء إلى الانكفاء. وهو ما يبدو واضحاً أنه انتشر في مجتمعنا إلى درجة صار فيها يعيق موضوعياً أي دور للفرد في مصير مجتمعه كما في مصيره الخاص. فمثلاً، نادراً ما رفض سائق سرفيس أو مُراجع ما لدائرة حكومية أو محام تقديم الرشوة لموظف صغير من الدرجة الرابعة. وتكاد المحاكم تخلو من قضية واحدة رفعها مواطن على موظف أعاق معاملة ما لأجل رشوة لم تُدفع له. رغم الشتائم التي يطلقها الجميع، ليل نهار، على الرشوة. ورغم تحميلها مسؤولية القسط الأوفر من الفساد المستشري. مبرراً ذلك بعدم جدوى مقاومة ما هو سائد من ناحية، وحقه في أن (يسهّل) عمله بغض النظر عن الوسائل من جهة ثانية. بعيداً عن تأكيد مسؤولية القوانين وآليات الإدارة، والموظفين ذاتهم، أي الحكومة بشكل عام، عن الضغط الحقيقي الذي يجعل من مقاومة الفرد لآليات الفساد أمراً مكلفاً بدرجة ما، وهو تأكيد صحيح، يبدو من الضروري الإشارة إلى بديهية أن الفساد، كأي علاقة اجتماعيةاقتصادية أخرى، يحتاج إلى طرفين. وحين يتنازل الطرف الضعيف عن حقه ويرضخ لشروط الطرف القوي، حيث يمكنه أن يقاوم ويرفض هذه الشروط، ويسعى إلى تكريس شروط أخرى أفضل، فإنه يساهم مساهمة فعالة في الحالة القائمة. في هذا الإطار، ربما يتحمل المثقفون والداعون إلى الإصلاح على كل المستويات مسؤولية أكبر من غيرهم. فهؤلاء الذين دأبوا على انتقاد الحكومات والمسؤولين (وليس هذا دفاعاً عن الحكومات أو المسؤولين، إذ قد يكون النقد الموجه لهم أقل مما يستحقونه) تناسوا دائماً الفكرة الأساسية القائلة إن كل علاقة تحتاج إلى طرفين موافقين على العلاقة، على الأقل. وحين يتنازل أحد الطرفين عن حقوقه، يصعب حصر المسؤولية بالطرف الآخر. فالعالم لا يعرف إلا مسيحاً واحداً. قد يفيد التذكير هنا أن الخسائر التي تكبدتها شركات التبغ الكبرى في أمريكا، والتي دفعتها إلى التفكير الآن بالانتقال إلى خارج الولايات المتحدة، وبعضها بالإغلاق والاتجاه إلى صناعات أخرى، هي خسائر لم تنجم عن دعاوى أقامتها الحكومة، بل رفعها الأفراد المتضررون. كذلك رأينا أن الأزمة في الحكومة البريطانية بسبب المعلومات عن أسلحة الدمار الشامل العراقية أثارها وحركها الرأي العام.وأيضاً نعرف جميعاً أن قصص الفساد في مختلف أرجاء العالم، يجري فضحها وتحويلها إلى قضية تساهم عموماً في تحسين أداء المجتمع، هي قصص فضحها وقاومها الناس العاديون، لا الوزراء ولا الحكومات. وإذا كان هذا يتطلب نظاماً قضائياً مستقلاً وفعالاً، فإن غياب هذا القضاء أو ضعفه ونواقصه، لا يبرر الركون إلى انتظار الفرج من الأعلى. ربما يكون مهماً الآن، أكثر من أي وقت مضى، إعادة التركيز (وإن جزئياً) على الدور الأساسي للمواطن في الإصلاحات المنشودة. بمعنى إعادة التوعية والتنوير بأن مشاركته في الفساد على أي مستوى كان، قد تخدمه لحظياً بحل مشكلة ما، لكنها تزيد من الضرر والحيف الواقع عليه لأنها تبرر وتكرس السلوك الذي يتفاقم مع السكوت عليه ومع اتساع قاعدته، من ناحية. ومن ناحية أخرى يجب نشر الوعي مجدداً بأن الخدمات العامة المتاحة للمواطن والتي تتعرض للنهب أو للفساد هي خدمات دفع المواطن ثمنها من جيبه عن طريق الضرائب المفروضة على دخله وعلى كل نشاط يقوم به. هذه الضرائب هي التي تشق الشوارع وتبني المدارس والمشافي وتسدد رواتب الموظفين وتشتري المواد الأولية.. إلخ. مما يعني أن حفاظه عليها ودفاعه عنها دفاعاً فعالاً هو حفاظ على أمواله ودفاع عنها لا يجب التخلي عنه.
بسام القاضي، (نشرت تحت اسم مستعار: حسام يوسف)، جريدة النور، العدد 122، 8/10/2003