كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
الرئيسية arrow مقالات.. arrow ليس بالقيم وحدها يحيا الانسان: رشوة الـ 25 ليرة . . . فساد وفقر وواسطة!
ليس بالقيم وحدها يحيا الانسان: رشوة الـ 25 ليرة . . . فساد وفقر وواسطة! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

يداه في جيبه، وقدمه اليمنى تركل بهدوء وانتظام السحارة البلاستيكية الملأى باللبن المصفى، بينما امرأة أربعينية تجلس بجانب السحارة وتنظر بكراهية إلى الرجل الذي رفس السحارة رفسة قوية دلقت جلّ محتوياتها على الأرض. وقفت المرأة غاضبة وسبّته، صفعها على وجهها بقوة فملأت يدها باللبن المصفى المدلوق على إسفلت الشارع ومرّغت وجهه وثيابه.

التزم الرجال والنساء الصمت وهم يراقبون المشهد، بينما التمّ الأطفال وهجموا عليه وحاولوا ضربه. نظرتُ بسرعة إلى رقمه المعلق على بذلته، التقط نظرتي ونزعه قبل أن أقرأه، وانسحب بسرعة وهو يهدد ويتوعد رافضاً أن يحدثني. قالت المرأة: (لم يكتف بالـ 25 ليرة. . . قال: إنني لم أدفع له منذ يومين. . . حالة تجنن!). وأكد جميع البائعين الموجودين (مع التأكيد أنهم أيضاً لن يعترفوا بكلمة واحدة مما يقولون فيما لو سئلوا عن الموضوع، خوفاً من نتائج ذلك)، أنهم يدفعون يومياً، وأحياناً يضطرون للدفع لأكثر من شخص حتى تغض (المحافظة) النظر عن وجودهم اليومي على الرصيف. مع العلم أن هناك سوق خضرة بنته المحافظة لا يبعد إلا قليلاً عن الرصيف المعني، ثم أغلقته. ربما لأنه يشوه وجه المدينة السياحي؟!.


 مشهد من مشاهد يومية تتكرر على نحو أو آخر على كل الأرصفة وفي كل الأسواق. من سوق الإطفائية إلى سوق مساكن برزة وركن الدين ومزة جبل. . . سواء كان السوق رسمياً، أو صنعه المزارعون الذين لا يكفي إنتاجهم ليتعاملوا مع سوق الهال، أو لا تكفي أسعار سوق الهال الزهيدة، فيحاولون كسب سعر أفضل ببيعه بأنفسهم أو عن طريق زوجاتهم أو حتى أولادهم.

شاحنة المحافظة
حين تبدو الشاحنة الخضراء الكبيرة، تتقدمها الدورية، تتطايرالأخبار بأسلوب الهنود الحمر: محافظة. . . محافظة. . . ويتقافز الرجال والنساء حاملين سحاحيرهم هاربين إلى زاوية ما، أو خلف سور قريب، تمتلئ الشاحنة شيئاً فشيئاً بخليط من الأشياء: عربات خشبية أوحديدية، خضار، فواكه، معلبات. . . إلخ. مخلّفة وراءها بعض العجائز والأطفال الذين يركضون باكين متوسلين: (الله يوفّقك، الله يخلّيلك ولادك هيْ آخر مرة . . . ) وسيلاً من الشتائم لا ينتهي. رئيسا دوريتين رفضا أن يردا على أسئلتي، وثالث قال بهدوء (بعد أن أقسمت له أنني سأنسى شكله تماماً): لو نفّذت القانون لما بقيت بسطة واحدة، ولمات هؤلاء من الجوع. أعرف أنهم فقراء، وقلبي لا يطاوعني. أحاول أن أدفعهم للهرب من أمامي حتى لا أصادر لهم. لكنني مضطرّ لبعض المصادرات حتى لا تفلت الأمور، فهم يأخذون أي تراخِ على أنه ضعف ويتمادون بالتالي. أنا محكوم بين القانون وفقرهم.

الكلّ يدفع
ليست المصادرات سوى الجزء البسيط والمرئي من العلاقة بين (القائمين على تطبيق النظام)، والهاربين من الجوع. الجزء الأهم هو العلاقة (النفعية) المتبادلة، تلك التي يعرفها الجميع ويخضعون لها دون أن يفكر أحد بوضع آخر. البائع يدفع مرة في الأسبوع أو مرتين، والآخر يغض النظر عموماً دون أن يهمل ضرورة التذكير بين الفترة والأخرى عبر مصادرة سريعة. أحد الباعة أمام كراجات العباسيين يقوم بجمع المعلوم - هل نكون أكثر دقة إذا سميناها الخوّة؟- أسبوعياً من جميع الباعة ويلعب دور الوسيط. بينما باعة البسطات في ليل الحميدية، تلك التي تنشر بضائعها على الرصيف بعد أن تغلق المحلات أبوابها وفق القرار التاريخي بالإغلاق في الثامنة ليلاً، يقومون بذلك كلاً على حدة، وكلاً حسب مهارته وعلاقاته. وأيضاً دون أن يحميهم ذلك من مصادرة أو هروب بين فترة وأخرى.
يمرّ الصدام عموماً بطريقة سهلة تعتمد في حدها الأقصى بعض الشتائم والتهديدات التي لا تنفّذ. لكن في بعض الأحيان يتوفر (ابن حلال) يعرف كيف يستغلّ الموقف، فيكتب بخطه الجميل (تقريراً) مناسباً يضمّنه أن فلاناً قد شتم المسؤول الفلاني، أو مزّق صورة رسمية من الجريدة، ويودعه لدى الجهات المختصة. وريثما يتم التحقيق مع المتهم والتأكد من صحة أو عدم صحة ذلك الاتهام، يكون قد أقتنع - على الأقل- أن يلتزم حدوده في المرّات القادمة.

الواسطة أقوى من القانون
في كل الأحوال، هذا الشكل العام من التعاطي النفعي المباشر بين باعة البسطات وأسواق الخضرة وبين دوريات المحافظة هو المستوى المرئي والمباشر من العلاقة. وهو يكاد يكون محصوراً بالباعة الصغار الذين يمتلكون بسطاتهم. وهي عادة بسطات صغيرة تحتوي القليل من الأشياء. لكن هناك بسطات أكثر أهمية سواء من حيث معروضاتها، أو من حيث مالكها. ففي مكان ما من مركز المدينة (دمشق) تتمركز بسطتان من الثياب قيمة موجوداتهما لحظة تنزيل البضاعة تفوق المئة ألف ليرة سورية!! يملكها شخص واحد لا يقف طبعاً وراء بسطته، بل يشغل عدة شباب على كل منهما يتناوبون العمل ورديات على مدار الـ 24 ساعة. مكان كل من هذه البسطات والدائرة المحيطة به هو مكان (مسجّل) باسمه، يمنع على أي كان شغله حتى لو توقف لأيام عن العمل. وفي حال غامر أحدهم بوضع بسطته في المنطقة المحرمة، يكفي هاتف واحد لتصير البسطة وما عليها في الشاحنة الخضراء الشهيرة. هذه (الشركة) لاتتعرض لأي شكل من أشكال المضايقة والابتزاز. والمسؤولون عن الشاحنة يتجاهلونها ببساطة، ليس لأنها تدفع المعلوم، بل لأنهم لا يستطيعون فعل شيء تجاهها، فمن يحميها أكبر منهم، وهو وحده يستطيع منعها. وقد حدث هذا ذات مرة، فبعد أن اختفت البسطة لبضعة أيام دون أن يحلّ محلها أحد، عادت مجدداً وعلق أحد عمالها قائلاً: (اختلف معلمنا مع »المعلّم«، لذلك سحبت البسطة حتى تم حل الخلاف). حل الخلاف ليس مضموناً دائماً بتبويس اللحى والجيوب المعتاد. فالأماكن المميزة هي مثار حسد الكثيرين، وهم يترقبون عموماً خلافات كهذه ليقدموا عروضاً أكثر إغراءً تؤهلهم ليحلوا كـ(مستثمرين) جدد. وهذا ما يحصل في الحقيقة حين نمرّ في شارع اعتدنا أن نرى فيه بسطة ثابتة، وإذا بها قد اختفت وحل مكانها خيمة أو بسطة جديدة.
العلاقة (من فوق) هذه تسيطر أكثر على عالم المحلات التي تمتد على جانبي الواجهة على الرصيف، الأمر الذي جعل جميع أسواقنا بلا أرصفة. هذه الامتدادات تحتل في بعض الأحيان مساحة تتجاوز مساحة المحل ذاته. وهي جميعها مخالفة، لكنها جميعاً تدفع. منذ أيام قليلة وقفت أشتري طعاماً من مطعم صغير لا يبعد إلا قليلاً عن قيادة شرطة المحافظة، وبينما أنتظر إعداد الطعام اقترب شرطيان معهما دفتر المخالفات وسألا صاحب المحل: (لماذا بضاعتك على الرصيف؟) فأجابهما بكل سخرية: (ما سمعت!). وبعد حوار قصير قال لهما: (أخي هو . . . ، ومعي ضوء أخضر من . . . !) فابتسم الشرطيان وأغلقا الدفتر ومضيا دون أن يحررا أية مخالفة. الأمر ذاته تكرّر في سوق الخضرة في شارع الملك فيصل (سوق الحرامية)، فبينما كانت الشاحنة الخضراء تلمّ بعض البسطات من الشارع، امتدت يد إلى بسطة ممتدة من محل، فسارع صاحب المحل ليخبر المعنيين (هذه لـ. . . ) فتركوها فوراً. وفي مكان ثالث في العباسيين صرخ أحد الذين تصادر بسطاتهم: (لماذا لا تقتربون من هذه البسطة؟) مشيراً إلى إحدى البسطات، لكن أحداً لم يرد عليه، لأن الجميع يعرف لمن تلك البسطة!!. أما الدفع فحدّث ولا حرج.
وضع البسطات هذا ليس إلا نموذجاً لما نراه يومياً في كل مكان: السرفيس الذي يملأ الجو وراءه بدخان أسود يحل المشكلة بـ 25 ليرة. عدم وضع حزام الأمان (أحدث القرارات) تسعيرته بين 25- 75 ليرة. مخالفات النظافة في المطاعم العادية تتراوح بين 100 و 500 ليرة. عدم وضع الأسعار بصورة بارزة وواضحة على السلع تسعيرته مشابهة لمخالفات النظافة. إلى آخر القائمة الطويلة التي تختلف من سوق إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى. البائع وسائق السرفيس وصاحب المطعم يفضّل أن يدفع مباشرة بدل أن تجري مخالفته. والذي يقبض يستخدم المخالفة وسيلة لتثبيت أهميته وضرورة الدفع له.

أخلاق. . أم اقتصاد
للوهلة الأولى يبدو الموضوع وكأنه تحلّل في القيم، وكأن ذمة الراشي والمرتشي هي التي تتحكم بالسلوك. هذا ما يعبر عنه الجميع: (فالج لا تعالج - حط راسك بين ها الروس وقول يا قطاع الروس - هيك أريح. . . ). لكن للقصة وجهاً آخر، فالقيم لا تنحطّ كما لا تسمو من تلقاء ذاتها.
يقول أبو أحمد: (سنة كاملة وأنا أجلس مع عمال الفاعل - يقصد حملة الكريك والمعول لأعمال الباطون- انكسر ظهري دون فائدة. هذه الشغلة أريح، تدفع كم ليرة وتأخذ الباقي، مستورة. . ). أم حيمد تأتي كل يوم من الكسوة مع أضواء الفجر الأولى برفقة عدة نساء أخريات لتمدّ أمامها بضعة طناجر فيها جبن أبيض. ودون أي قدر من الشكوى تؤكد: (الحياة عسكرية دبّر راسك، المهم في الآخر أن أعود إلى البيت بنقود تكفي لإطعام أولادي والبقرة. . ). أما أ. ك الشغّيل على بسطة لا يملكها، فهو يعمل بوظيفة حكومية صباحاً: (من عشر سنين وأنا موظف في دمشق، أسكن بالإيجار مع أولادي وزوجتي في غرفة واحدة، شو بتساوي الـ 5000 ليرة التي تطير قبل أن تدخل جيبي؟).
جميع شغّيلة البسطات بمختلف أنواعها يؤكدون أنهم يرغبون في ترك هذا العمل (المذل) في الشوارع. ويفكرون أنه لو كان دخلهم يكفي، أو لديهم دخل آخر، لكانوا يفضلون أن يعطوا أولادهم شيئاً من عمرهم الذي لا يكفي لسداد المصاريف المتزايدة. ولا أحد منهم يفكر أنه يرتكب خطأ ما حين يدفع ليستطيع التهرب من المخالفة: (إذا كان عندك طريقة غيرها فتفضّل خبرنا!).
من جهة أخرى، تعاني العناصر المعنية بمكافحة المخالفات وضعاً ليس أفضل بكثير من وضع الباعة. فمجموع ما يقبضه شرطي مضى على خدمته خمس سنوات لا يتجاوز 5000 ليرة سورية متضمّنة الراتب الأساس مع الإضافات المختلفة. خمسة آلاف ليرة سورية لرجل يقف في الشارع ست ساعات (وأحياناً تسع) تحت الشمس الحارقة أو في البرد القارس دون أن يتوقف عن الحركة بيديه أو بصفارته لتنظيم المرور، أو لرجل قيّم على تطبيق القانون يدور في الشوارع طوال وقت دوامه لضبط المخالفات!. أكثر من 90% من عناصر الشرطة هم من محافظات أخرى، حتى إن أحدهم أكد أنه لا يعرف شرطياً دمشقياً واحداً!! وأغلب هؤلاء يسكنون بالأجرة. وكما نعرف فإن أسوأ غرفة في أسوأ منطقة تكلف ما لا يقل عن 1500 ليرة. ويحتاج إلى 500 ليرة بالمتوسط أجرة طريق لأنه لا مواصلات مخصصة لهم لتنقلهم من بيوتهم إلى عملهم (رغم أن الكثير من سائقي السرفيس لا يأخذون أجرة من الشرطي). يعني عليه أن يأكل ويشرب ويلبس ويسافر ويتعالج (لأن للعلاج المجاني قصة وحده) بمبلغ 3000 ليرة؟!! هذا إذا لم يكن متزوجاً. أما إذا كان كذلك فربما يحتاج إلى خبير اقتصادي ليعرف كيف يغطي مصروفاً هو ضعف المدخول بالتأكيد. صحيح أن وضع هذه الفئة من حيث الأجور يشبه وضع موظفي القطاع العام بجميع مؤسساته، ووضع أغلب موظفي القطاع الخاص، لكن المسألة أن هؤلاء (إضافة إلى اشتراكهم مع زملائهم الموظفين بالفقر) مكشوفون مباشرة في تعاملهم مع قضية حرجة هي مكافحة المخالفات المختلفة. هذا يعني أنهم معرضون دائماً للرشوة والفساد. ويبدو من غير المنطقي أن نطالب جائعاً برفض الطعام بحجة أن من يقدمه ملوّث. حاجات الحياة أولى عموماً من القيم. على الأقل هذا ما يقوله الواقع. (أحد عناصر المرور أقسم أنه بقي عامين لا يمد يده لرشوة مهما صغرت، لكنه غير رأيه حين وجد أن لا طريق آخر يؤمن متطلبات الحياة لزوجته وابنتيه).

تحسين الدخل أولاً
مكافحة الفساد، هذا الشعار الذي أتخمنا به، يبدو حبراً على ورق. فاصطياد فاسد هنا أو فاسد هناك، وإصدار قانون هنا أو قانون هناك، لا يشبع المعدة ولا يصنع قيماً. وهذا - رغم أهميته- يبقى بلا فائدة ما دامت الأجور متدنية إلى الدرجة التي توجه فيها السلوك نحو تحسينها عملياً بغض النظر عن الكيفية. المعدة الجائعة لا ترحم. فحين نوفر فرص عمل كافية، وحين تصير الرواتب بدرجة قريبة من الأسعار، وتصير متطلبات المعيشة العادية (وليس المرفّهة) في متناول الجميع، يمكن حينئذ أن يكون للحديث عن مكافحة الفساد بالطرق التي نعرفها الآن معنى. ويصير لذلك مكان واقعي في إعادة بناء قيم صحيحة ومشرفة.

  


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 34

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS