ما كتب في الغرب عن مشكلة الجنس - تحديداً التربية الجنسية بمختلف تشعباتها- أكثر من أن يحصر. حتى إن الدارس للموضوع يجد أن جميع مراجعه تقريباً هي مراجع غربية، مما يدل على أن هذه المشكلة وما يتفرع عنها، ليست مشكلة مجتمعاتنا فقط، بل هي مشكلة عالمية.
حتى إن بعض الباحثين يرون أن حل هذه المشكلة سوف يشكل الثورة الأهم في تاريخ البشرية، اعتماداً على أن حلها سوف يحرر الإنسان - ذكراً وأنثى- من مجموعة ضخمة من القيود والمعوقات الداخلية التي تقوم بإعاقة تفتحه الذهني والجسدي. ومما يدل على أهميتها في التاريخ البشري أن كل الثقافات تناولتها كقضية أساسية في التشريع والتنظيم الاجتماعي المبني على الدين، بدءاً من الديانات البدائية، مروراً بالديانات المتعددة الآلهة، وحتى الديانات التوحيدية. ليس الجنس مسألتنا - كمجتمعات شرقية- فقط. بل هو مسألة إنسانية عامة. لكن الفرق الأهم الذي يجعل المسألة عندنا تأخذ طابع الأزمة هو أن الغرب، أو العالم المتقدم عموماً، يتعامل مع قضية الجنس بصفتها إشكالية، أي مشكلة تتعلق بجملة من المشكلات الأخرى المتشعبة والمرتبطة بذات الوقت. وتحتاج إلى دراسة علمية، تقتضي أولاً الاعتراف بوجود مشكلة محددة. بينما نعتمد نحن على الصيغ العاطفية المستندة إلى تصوير مجتمعاتنا كحالة مثالية ما أمكن ذلك، فندفع بالمشكلة هذه - كما نفعل تجاه غيرها- إلى منطقة الظلام حيث تتفاعل وتتفاقم بأشكال مشوهة مريضة لا نستطيع تجاهها فعل شيء ما. المسألة إذن ليست في اختلاف مشكلتنا هذه - حصراً- عما يعانيه العالم الآخر. لكنها في طريقة التعامل مع المشكلة. حين تفاقمت مشكلة المخدرات في أوروبا، وصار عدد المدمنين على تعاطي المخدرات بوساطة الحقن بالإبر، تشعبت الأزمة لتحمل معها أخطار الموت المفاجئ الناجم عن جرعة زائدة بالتضافر مع عدم وجود مسعف مناسب، نظراً لتقاليد تعاطي المخدرات. كما تفرعت عنها مشكلة إضافية، تجسدت في ارتفاع احتمال انتقال عدد من الأمراض - وخصوصاً الإيدز وفيروس التهاب الكبد- عن طريق الحقن المشتركة. في ذلك الوقت قامت البلدان الأوروبية المعنية بالموضوع أكثر من غيرها بطرح فكرة أثارت زوبعة في بدايتها، تقول بتخصيص أكشاك خاصة في الحدائق التي يكثر تردد المتعاطين عليها. أكشاك تحتوي على إبر معدة للاستخدام لمرة واحدة فقط تقدم مجاناً إلى المتعاطين شرط أن لا يستخدم الإبرة الواحدة أكثر من شخص واحد. كما زودت هذه الحدائق بسيارات إسعاف مع كادر طبي خاص للتعامل مع الجرعات الزائدة. في ذلك الوقت - وهو لم ينته بعد- تناول القضية كل المهتمين بالموضوع من رجال دولة وسياسيين وأكاديميين ورجال دين وطلاب وناس عاديين ومدمنين. وقد أدى هذا النقاش العلني والمفتوح لهذه القضية إلى نتائج إيجابية في الآثار الجانبية للمشكلة على الأقل. هذه الآلية العامة التي تعتمد على الاعتراف بالمشكلة، وأنها قضية تهم الجميع، والثقة بـ (الجميع) في بحثهم عن حلول لها، هي التي تسود المجتمعات المذكورة في معالجة مستجداتها الخاصة، بل وحتى ماضيها. فقد تابعنا - من موقع المتفرج طبعاً- النقاش الحامي الذي يدور حول المترتبات الأخلاقية لاكتشاف الخريطة الجينية، وانبثاق إمكانات تعديل صفات شخص ما قبل أن يولد. أو إمكانات الاستنساخ المفتوحة على احتمالات شتى. كما تابعنا في وقت مضى مشكلة الجنس المثلي وما يتفرع عنها، عبر نقاش صريح وعلني في جميع بلدان (الغرب) التي اتخذت في النهاية مواقف مختلفة تجاه القضية ذاتها. وفي وقت أقدم دارَ نقاشٌ واسع حول حرب الفيتنام، وبعدها حول مشروع حرب النجوم. . . إلخ. قد لا تناسبنا بعض الحلول التي أوجدتها تلك المجتمعات لمشكلات عندها تشبه مشكلات عندنا. وقد تكون هناك اختلافات في بعض الأوجه بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم من حيث البنية التاريخية للعادات والتقاليد، أو علاقة الدين والدولة، أو أولوية القضايا وفق زمن محدد. لكن في كل الأحوال، المنطق الأساسي هو الذي يهمنا هنا. وهو ببساطة عدم نكران المشكلة التي نعانيها متوهمين أن تجاهلها يساوي عدم وجودها. حين نرفض الحديث عن التربية الجنسية بحجة الأخلاق، مع أن لفساد الأخلاق سبباً مهماً هو سوء التربية تلك، لانفعل سوى أن نترك المشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم. وحين نرى أن وحدتنا الوطنية هي معطى أولي بدهي، لا نفعل سوى أن نترك القوى التي تتفاعل تحت السطح لتفعل فعلها في تقويض هذه الوحدة. وحين نعتقد أن انتقاد مسؤول ما - أياً كانت وظيفته، وأياُ كان موقعه في السلطة أو في غيرها- أو أن انتقاد جهاز ما، مهما كانت قيمته وضرورته، يعني حقداً، أو مؤامرة، أو تخريباً، برغبتنا أو بجهلنا، لا نقوم إلا بما يزيد من شطط هذا المسؤول ومن طغيان ذلك الجهاز. وبالتالي انتقاله إلى الموقع النقيض لموقعه الأصلي المفترض. المسألة إذن أنه يجب أولاً أن نرى الشيء ونعترف بوجوده حتى نعرفه ونتعامل معه. يجب أن نتعاطى معه بصفته واقعاً أياً تكن قساوته أو غرابته أو سوؤه. ومن ثم يمكننا تحليله والبحث عن أسبابه، كما يمكننا البحث عن حلول له. ليست الحلول التي ابتكرها الغرب لمشاكله صالحة لكل زمان ومكان. لكنها أيضاً ليست فاسدة لمجرد أنها ابتدعت هناك. الآلية الأساسية - لنقل الديمقراطية- التي يتعامل بها مع مشاكله هي صالحة فعلاً لأنها أصلاً آلية في التفكير العلمي والبحث، فهي تشترط غياب الأحكام المسبقة، وتشترط أخذ المعطيات الموضوعية بالحسبان، وتشترط أخيراً الحرية: حرية الحصول على المعلومات، حرية تداولها، حرية نقاشها العلني، حرية اقتراح الحلول، حرية استقصاء إمكانات الحلول المقترحة. . . وهذا ما نحتاجه بالضبط ليمكننا أن نبحث عن حلول مناسبة لمشكلاتنا.