هل مضى وقت طويل على تلك (المشاوير) المسائية على طول الممشى المغلق في أول الـ 63 متراً بباب حديدي أسود، وفي آخره حائط يتحول يوماً بعد يوم إلى الأسود، وعلى يمينه (أو يساره) عشرة أبواب تقبر وجوهاً تزداد شحوباً مع كل مطلع شمس، وعلى يساره (أو يمينه) سلسلة من الشبابيك المجنزرة والمفتوحة على المطلق..؟
ربما.. أفقد أحياناً إحساسي بمرور الزمن، كأي مستحاثة تنغلق عليها ذرات الغبار الناعمة رويداً رويداً حتى تصير صلبة كالصوان، وجامدة كالموت..
ربما.. لكن، لسبب ما، لم يستطع الزمن أن يغلق عني (أدورفا). هل مازلتَ تذكرها؟ راهبة الأيام الأولى. حبة الشوكولا. القبلة الهاربة الملتبسة. الغياب الشبيه بغياب راقص المولوية. البحث في المجهول عن سمات هاربة من وجه حمل اسماً غير اسمه، وصوتاً هو صوت الغروب، ورائحة غير رائحة الأبنوس فيه.
لست وحدكَ الذي ينسى، كلنا كذلك. لكن النسيان ليس نعمة كما يشاع. بل نقمة. تصور لو أننا ننسى الطريق إلى بيوتنا كلما خرجنا منها! أو لو كنا ننسى ما الذي خرجنا لنفعله كلما خرجنا لنفعل شيئاً ما! تصور لو أننا ننسى الكلمات.. ننسى الأسماء كلها.. ننسى مواضع الأشياء ومعانيها.. ننسى من نحن وماذا فعلنا.. تصور لو أن أحدنا لا يكاد يقول لامرأة (أحبكِ) حتى ينسى ما قال.. وكلما نظر إلى المرآة استغرب من ذاك الخارج منها..!
مضحكة هذه الأمثلة. بل هي من النوع الذي أكرهه كثيراً. وأسميه دائماً: (الأمثلة القصوية)، تلك التي تؤخذ من آخر الاحتمالات، أو من الاحتمالات غير الواقعية، وتهدف فقط (بغض النظر عن النيات) إلى قطع كل إمكانية للنقاش مع الطرف الآخر.
ليست الأمثلة فقط هي التي يمكن أن تكون قصوية. الأفكار أيضاً قد تكون كذلك. ألم تكن جملتك غير الجميلة (ظلمات الشمولية الشيوعية) واحدة من هذه (القصويات) التي تسعى، كالكثيرين، ليس للتبرؤ منها فقط، بل للإمعان في جَلدها كدلالة على الوعي الجديد (هل أخطئ إذا قلت: كدلالة على التوبة؟)؟
لست أرغب، في هذا المكان الضيق، في هذا الزمان الضيق، أن أتحدث عن الشيوعية ولا عن ظلماتها ولا ظلمات شموليتها. لكنني أرغب حقاً أن أعيد السؤال الذي تعبت من إعادته: أين هي الأنوار في الشمولية الرأسمالية؟ هل هي في الأزمات والفقر والبطالة والجوع والحرمان والحروب الأهلية والديكتاتوريات التي لا تنتهي في أمريكا اللاتينية، بدءاً من السلفادور ونيكاراغوا، حتى القطب الجنوبي(بالمناسبة: في عام 1936 كان عدد العمال في البرازيل أكثر من عدد سكان سورية اليوم، إذا كان هذا يعني شيئاً)؟ هل هي في الـ 40% من الدخل القومي في تايلاند الآتي من دعارة النساء والرجال والأطفال؟ هل هي إفريقيا التي لم تترك في الرأسمالية سوى غبار الصحراء وأشباح البشر؟ هل هي في البقايا التي تتركها شركات النفط في بلدان النفط التي لها أن تشتري ما تريد من الرأسمالية، ولها أن تفعل ما يراد لها فقط؟ هل هي في حقوق الإنسان المطلق الحق (حين يكون أمريكياً أو فرنسياً أو بريطانياً..) في إخضاع الآخرين ونهبهم والسيطرة عليهم؟ أم لعلك تحلم أن يكون مكاننا في هذا النظام (الخالد) بالقرب من برج إيفل، وعلى ضفاف التايمز؟
أنسى كثيراً.. حتى إن أصدقائي فقدوا الثقة بذاكرتي الملعونة. لكن هناك بعض القصص الصغيرة العصية على النسيان. منها، مثلاً، أنني لا أستطيع نسيان أن أبي، أبي المرحوم الذي غادر قريته قبل أكثر من نصف قرن حاملاً زوادة وحلماً وفقراً مدقعاً، لم يكن له أن يعلمني أنا وكلّ إخوتي وأخواتي لولا القليل من (ظلمات الشمولية الشيوعية) التي أتقن حكامنا انتهازها واستغلالها لمصلحتهم الخاصة، ولكنهم اضطروا، ككل سرقة جماعية، إلى رشوة الناس قليلاً ليضمنوا سكوتهم. لا أستطيع أن أنسى أنني بدأت الآن أقلق كيف سأدفع فاتورة علاجي بعد القليل من السنوات حين سننجز انتقالنا إلى رحاب الرأسمالية الخالصة، وتختفي مشافي المواساة والمجتهد والوطني المنتشرة، بكل فسادها ونواقصها وتخلفها، على امتداد هذا الوطن المسيّج.
بالتأكيد، لا أستطيع أن أنسى أيضاً، السنوات التي أجبرت على فقدانها من حريتي بسبب رأي حملته. ولا أستطيع أن أنسى كل تلك المآسي التي لفت قرناً كاملاً من حياة بشريتنا العظيمة.. ولكنني لا أرغب أبداً أن أذهب، كما كانت جدتي تقول، (من تحت الدلف لتحت المزراب).