البارحة، بدا لي صراخ محمود درويش في إحدى قصائده: سقط القناع عن القناع، موجهاً لي أنا شخصياً، رغم أنني لم ألتق بالشاعر الذي أحب قصائده كثيراً، وبالتأكيد لم أفعل ما يمكن أن يلفت نظره ليوجه لي كلماته المذكورة. لكنني، وأنا متكئ على فرشة صغيرة من الإسفنج، وكأس المتة يدور بين أياد بيضاء كثلج جديد، ومشققة عملاً وتعباً، شعرت بوجوهي المختلفة التي أتقنت صياغتها عبر الأزمان الصعبة التي لم تنته بعد، تتساقط كأقنعة طال اعتقالها روحي.
ببساطة ماء يتدحرج في ساقية، مغلغلاً خيره في الأرض المعتادة على تلقي الخير. بسهولة عبور ريح لشجرة لوز في أول الربيع، يهزّ أزهارها الناعمة بلطف ومحبة. بهدوء همسة في ليل صيف، تفتح القلب على التداعي واحتمال الحياة. بضجيج وليد فتح جفنيه للتوّ، مقبلاً على ما سيكون عالمه هو. كانت الكلمات تتوالد ضاحكة، مفعمة بحقيقة الأشياء، محملة بدفء الإنسان، بسيطة وصادقة. وضعتُ قناع السياسي، فبدا كبيراً جداً على وجهي الطويل، وبدوتُ كمهرج أظلمت غرفته قبل أن يكمل المكياج. قلتُ لعلّ قناع الصحفي أجدى، فلم تمض دقائق حتى كانت حرارة الحياة قد ذوبته، وسال على وجهي مشكلاً أشكالاً أكثر سريالية مما خطر لسلفادور دالي في ذروة جنونه. حاولتُ أن أمثّل دور (الزلمة)، فصرتُ كالغراب الذي لم يتعلم مشية الحجل ونسي مشيته الأصلية. أقنعةٌ من كل صنف ولون، أمضيت عمري أحيكها وأشذبها وأتأقلم معها وفق ما رضعناه من قيم المظاهر وأهميتها. جربتها الواحد تلو الآخر. بيد أن أيّاً منها لم ينجح في الحفاظ على نفسه، فكيف في الحفاظ على وجهي، لأكثر من دقائق باهتة!
لكن! لماذا يجب أن أرتدي قناعاً ما؟ ماذا يعني لو كنتُ كما أنا حقيقة، بلا زيادة ولا نقصان؟ ما الخطأ في أن أعرف ما أعرف وأجهل ما أجهل؟ في أن أضحك لأنني أرغب في الضحك؟ في أن أقول الكلمة العادية التي تشكلت في فمي دون أن أحاول ترشيحها في أحد الأقنعة؟ ما العيب في أن أُشعِر الآخر أنه أعجبني حقاً، وأثار الفرحة في نفسي. أو أنه بدا مملاً؟ لماذا نستطيع أن نعبّر عن انزعاجنا وغضبنا من الآخرين بسهولة شديدة ولا نستطيع أن نقول لهم بالسهولة ذاتها: أنتم لطيفون؟ لماذا يبقى إحساسنا بشخصيتنا مرتبطاً بمدى تمكّننا من إخفاء وجهنا الحقيقي؟
للوهلة الأولى شعرتُ أنني غريب عن نفسي. للوهلة الأولى فقط. ثم.. تدحرجتْ روحي متفتحة كما لم تفعل منذ زمن طويل. تلاشى كبخار تعب الساعات الطويلة في أعمال لا تنتهي. تلاشى قلقي المستمر من أن يفهمني الآخر فهماً خاطئاً، أو أن لا أستخدم التعبير المناسب. تلاشتْ عقد النقص الكثيرة التي تنخرني: عقدة الفقر، عقدة التعليم العالي، عقدة الحسب والنسب، عقدة المنصب، عقدة الاضطهاد. وعقدٌ تعجز اللغة عن حصرها. تلاشى شعور الوحدة الذي كاد يقنعني أن المسار الوحيد للإنسان هو أن يكون وحيداً من صرخته الأولى إلى آخر إغماضة لجفنيه.
ليست البساطة مرادفة للغباء. وليست المحبة مرادفة للضعف. يمكن للبساطة أن تكون تحضّر عمر بن عبد العزيز. ويمكن للمحبة أن تكون قوة المسيح. لكن، لا يمكن للأقنعة أن تكون سوى سجنٍ بلا نهاية.