كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان
الرئيسية
جهاد مفلح، مدير فرقة إنانا: في (جوليا دومنا) خرجنا من ثوب كركلا طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

قبل أربعة عشر عاماً خطر سؤال في رأس راقصَين: لماذا لا يكون لدينا فرقة محلية تعمل على تقديم تراثنا بفن راق، وتحمل همومنا وتاريخنا، وتصل إلى العالمية؟ كانت فرقة كركلا اللبنانية قد سبقت إلى هذا الحلم. لكن التراث يحمل الكثير من الغنى. ويمكن لأكثر من فرقة أن تجد لنفسها مكاناً في هذا العالم.

هكذا بدأ الفنانان جهاد مفلح وإيمان كيالي في تأسيس فرقة إنانا. ثم انتقل كلاهما ليصيرا راقصين في فرقة كركلا. أخذا كل ما يمكنهما من تجربتها. وعادا ليبدأا عملاً شاقاً وطويلاً.
+ الفنان جهاد مفلح، أنشأتَ مسرحاً راقصاً بإمكانيات خاصة في وقت يتراجع فيه المسرح العادي إلى درجة افتقاد الجمهور، حتى المثقف منه. ألم تخش من غياب المتفرجين؟
++ لا يجب الركون لما هو قائم. أظن أن تجربتنا التي اعتمدت على الإيمان أن المبادرة إلى العمل الجيد تلقى تجاوباً من الناس، أثبتت أن الناس يريدون هذا الفن (المسرح عموماً) حين يقدم لهم ما يخاطبهم بشكل جميل ومناسب. نحن لم نصل بعد إلى علاقة ناجحة تماماً، فلدينا صعوبات من مثل إيجاد النص القابل للتحويل إلى عمل مسرحي راقص، وإيجاد الموسيقا المناسبة، وحتى في تصميم الرقصات أجد أحياناً صعوبات كبيرة. لكننا نعمل بجد ودأب.
+ الأعمال الثلاثة التي قدمتها إنانا حتى الآن تحمل هاجساً سياسياً وقومياً واضحاً. هل يعكس هذا تصوراً محدداً لدور الفن؟
++ نعم. لا أعتقد أن الفن خلق للمتعة المجردة. هناك ألف طريقة أخرى لأجد المتعة الخالصة. بينما الفن، والمسرح خصوصاً، يجب أن يقدم المعرفة والثقافة مع الجمال والمتعة. كل الفرق المهمة العالمية تطرح قضايا وهموماً عامة تخص شعوبها. أو تنشر تراثها المحمل بالمعاني والدلالات. ولا تعتمد المتعة المجردة هدفاً بحد ذاته. بالتأكيد لا يجب أن يكون العرض مباشراً إلى درجة الخطاب السياسي. عندئذٍ لن يكون فناً. الفن هو تقديم رؤية، قد تكون تاريخية أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، خصوصاً.
+ لكن وُجهت انتقادات إلى (جوليا دومنا) على أنها مباشرة، وإن بدرجة أقل من أبناء الشمس. ما رأيك؟
++ في دمشق وحدها أكثر من ثلاثة ملايين مشاهد محتمل. قد يكون الأب في أسرةٍ ما موظفاً، والأم ربة منزل، والولد في المدرسة. وحين أخاطب هؤلاء، وليس النخبة فقط، يجب أن يكون ما أقدمه على درجة مناسبة من الوضوح. ربما ساهم هذا الأمر في أن يحضر عرض (جوليا دومنا) في تونس أكثر من 4500 متفرج بينما لم يحضر عرض فرقة كييف المحترفة وذات التاريخ العريق أكثر من 500 متفرج. مع ذلك، قد يحمل عملنا القادم ملامح فنتازيا محببة وبسيطة.
+ كيف تنظر إلى علاقتك مع النقد، والإعلام عموماً؟
++ قبل ثلاثة أسابيع دعوت أكثر من 700 إعلامي سوري لحضور عرض خاص لجوليا دومنا. لكن واأسفاه لم ينشر أكثر من مقالين أو ثلاثة حول العرض. بينما نُشر أكثر من 18 مقالة نقدية بعد العرض الأول في تونس! يمكن لعين الناقد أن تقدم لنا ملاحظات مفيدة. وعملتُ بالكثير من الانتقادات.
+ راقصو إنانا يشترون المكياج وملابس التدريب على حسابهم، وأنت تدفع أجرة المسرح وتكاليف الكثير من الرحلات الخارجية من حسابك الخاص. بينما شباك التذاكر في سورية لا يبدو أنه يقدم ما يكفي. كيف توازن ذلك؟
++ ومتى كان يمكن الاعتماد على شباك التذاكر في سورية؟ حين أنتجنا هواجس الشام تكلفنا أكثر من خمسة ملايين ليرة سورية ما زلنا نسددها ديوناً حتى الآن. بعض المهرجانات تأخذ منا مقابل المشاركة والتصوير وما إلى ذلك. مع ذلك هناك بعض الدعم. فالمؤسسة العامة للمعارض تؤجرنا المسرح بتكلفة زهيدة نسبياً. وتخصص لنا مبلغاً مقطوعاً مقابل مشاركتنا في المهرجان (ككل الفرق المشاركة في شهر المهرجان الذي يقيمه معرض دمشق الدولي). يمكن القول إننا مع العمل الثالث بدأنا نتوازن مادياً.
+ أنت والفنانة إيمان كيالي خرجتما من مدرسة كركلا التي سبقتكم زمنياً. وهذا الأمر وضعكم في موضع المقارنة مع ما قدمته كركلا. ما الذي تقدمه إنانا متميزاً عن تجربة كركلا؟
++ كركلا فرقة مهمة بالتأكيد. وتجربتها مميزة وذات تاريخ عريق (أكثر من 30 عاماً). وهي صارت مدرسة مهمة في هذا المجال. تعلمت الكثير من كركلا، خاصة في المجال الإداري والعلاقات العامة. من جهة أخرى، من الطبيعي أن يكون لكل إنسان طموحه في تميز خاص به. وفي تراث الراقص السوري الكثير من الغنى. من هنا بدأنا. رآنا المشاهدون في (هواجس الشام) قريبون من كركلا، وهذا أمر صحيح. لكن مع (جوليا دومنا) رأى الكثيرون أننا قدمنا عملنا الخاص. لا أرى إنانا بديلاً لكركلا. بل شريك لها في تطوير وتقديم فن هذه المنطقة إلى العالم.
+ كيف ترى آفاق المستقبل؟
++ القليل من العقبات، وأمل يكبر كل يوم في أن نصير فرقة لها مكانها في العالم، وتتمكن من تقديم لوحة جميلة تحمل تراثنا ومشاغلنا.

كذلك التقت (النور) بعض العاملين في فرقة إنانا.
ألبينا بيلوفا، خبيرة الرقص الروسية، وأستاذة في المعهد العالي للباليه بدمشق، وراقصة أساسية في إنانا.
+ هل يتلاءم الباليه، بوصفه فناً غربياً، مع العناصر الفولكلورية الشرقية؟
++ هذه نظرة خاطئة. الباليه هو فولكلور محلي أوربي تم تطويره عبر نحو 400 عام ماضية، وتنقيته من الحركات العشوائية، وتنظيمه في حركات منظمة منسقة. هذا ما ندعوه تنظيف الحركة. خلاصة هذا العمل هو الباليه. لذلك ترى في باليه بحيرة البجع، أو باليه الأميرة النائمة، على سبيل المثال، رقصات تنتمي للفولكلور البولوني وأخرى للفولكلور الإسباني.. وهكذا. وهذا ساهم في عالمية فن الباليه. العرب تأخروا في البدء بهذا العمل. ما زالت النظرة إلى الفولكلور تعتمد إبقاءه على حركاته القديمة كما هي دون أي تطوير أو معالجة. ما يجب عمله الآن هو دراسة هذا الفن واستخلاص آلية الحركات الجوهرية فيه، وتنقيتها، وإدراجها في نظام مناسب. وهذا ما نعمل عليه الآن في إنانا.
+ قلما كان المسرح ممتلئاً، على صغره، أثناء عرض (جوليا دومنا). لماذا برأيك؟
++ أظن أن عدد الحضور كان جيداً نسبياً. لا تنسَ أن المسرح ليس ثقافة شعبية هنا. فكيف المسرح الراقص! وهذا طبيعي. في مدينتي، في روسيا، هناك دار الأوبرا، وصالة المسرح الدرامي، وصالة المسرح الكوميدي، وصالة مسرح الأطفال، وصالات كثيرة أخرى، تقدم عروضها يومياً.أشدد على أنها تقدم عروضها يومياً. هكذا يمكنك أن تجد ما يناسبك كل يوم. حين تجد ما يهمك على خشبة المسرح تقوى علاقتك به. هنا بالكاد يوجد بضعة مسارح. وأغلب العروض موسمية. وتفتقد إلى التنوع. وملاحظات كثيرة أخرى. أتساءل أحياناً كم عدد المسارح التي بناها الرومان في هذه المنطقة؟ هذا يدل بوضوح على أن للناس في هذا البلد علاقة تاريخية قوية جداً مع المسرح. أين ذهبت هذه العلاقة؟
أمر آخر، في دار الأوبرا بمصر مثلاً، المدربون والراقصون والراقصات وحتى قسم من الإداريين هم روس. أين الراقصون العرب؟ وكيف سيتطور الرقص العربي إذا كنتم تعتمدون على راقصين أجانب؟
ربما اقتصار إنانا على الراقصين المحليين (ليس فيها أجنبي غيري في إنانا، وأنا مدربة أساسياً) هو أمر مهم جداً. من المهم حقاً أن يحاول أبناء البلد ذاته تطوير تراثهم وتقديمه. فهم الأقدر على الإحساس به والتعبير عنه. لا يكفي أن تقدم دار الأوبرا (الأميرة النائمة). قد يكون من الأجدى أن تقدم أعمالاً تعبر عن تراث المنطقة وتاريخها ووجدانها وثقافتها.

الفنانة إيمان كيالي، مدرسة فن الأورينتال في إنانا، وراقصة أساسية.
+ ما هو فن الأورينتال؟
++ الأورينتال هو مزيج من الباليه الكلاسيكي والحديث والإحساس الشرقي. ليس الرقص الشرقي كما نعرفه (هز الحوض والبطن)، بل الإحساس. ويعتمد، مثل الباليه، على قواعد خاصة به، خاصة في اعتماده على حركة اليدين وتعبير الوجه. والأهم هو اندراجه كله في إطار الإحساس الشرقي بالحركة.
+ يقضي الراقص ما متوسطه 5 ساعات يومياً في التدريب. هذا أكثر مما يحتاجه أبطال الأولمبياد؟
++ قد يبدو هذا مجهداً لمراقب من الخارج. لكنه يحمل الكثير من المتعة أيضاً. الرقص هو لغة. وحين تتقنها تصير وسيلة تعبير أساسية في حياتك. أنا أعبر عن فرحي وعن حزني وعن غضبي وعن أملي بالرقص. ومهما كان التدريب متعباً، تكفي لحظة تصفيق صادق من الجمهور لتعوض تعبك كله حين ترى أنك نجحت في التواصل معه بهذه اللغة الخاصة والصعبة.
+ لا ينظر مجتمعنا إلى الرقص باحترام شديد، وهذا ينعكس على الحياة الشخصية، خاصة للراقصات. أليس خياراً صعباً؟
++ الرقص هو لغة، وهو أيضاً محرّض شديد على الاستقلالية والحرية. حين يشعر الراقص بقدرات جسده الكبيرة، يشعر باستقلالية خاصة. وهذا يضيف عائقاً آخر. فالنظرة العامة لا تفضل المرأة صاحبة الشخصية المستقلة. الراقصة، كأي إنسان آخر، تبحث عن الحب والتفاهم، وهذا يقتضي تفهم الآخر لظروفك وتكوينك واهتماماتك. قد يتأخر التقاؤك بمن يناسبك. وقد لا تلتقي به. هذا أمر طبيعي.


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 114

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS