لم يتسن لي الاطلاع على نص غابرييل غارسيا ماركيز الذي أعدَّت مسرحية (خطبة لاذعة ضد رجل جالس) بناءً عليه. وهو أمر لا يبدو لي ذو قيمة. فخيار النص هو خيار المعدّ (جوان جان). مادام قد ارتأى أن هذا النص مناسب. وسواء كان الإعداد موفقاً أم لا، وكان وفياً للنص الأصلي أم لا، فإن ما قُدِّم على مسرح القباني، من حيث النص، هو مسؤولية المعد والمخرج اللذين اختارا تقديم هذا العمل. وربما كانت الميزة الأساسية هي التشابه المثير بين عنوان المسرحية وما أدت إليه!
ربما كان من المهم الإشارة، بداية، إلى أن الفنانة مها الصالح تكاد تكون الممثلة الوحيدة التي واظبت على العمل المسرحي طوال السنين الماضية دون أن تهجره إلى الفنون المرئية الأخرى كما جرى مع الكثيرين. وهذا الجهد المميز يستحق التقدير. وهو أيضاً ما يجعل الجمهور أكثر تطلباً في متابعته أعمالها.
الحكاية ببساطة هي ذات الحكاية التي دأبنا على متابعتها في الأفلام التي اعتدنا تسميتها بـ (الأفلام العربية)! أي تلك الأفلام التي تعتمد ثوابت في معالجة أي مشكلة. وخاصة في معالجة بعض مشاكلها المفضلة: المحبوبة الغنية والمحبوب الفقير! الحب المنهار بسبب خيانات غير مبررة..!
هنا، تقف المرأة التي خينت وهُزمت أمام رجل جالس لا يتحرك على مدى المسرحية. يمسك بيده جريدة لا يحيد بنظره عنها كأنه تمثال أصم. باستثناء حركة يديه في تناول جريدة أخرى حين تنتزع المرأة الجريدة منهما. وتبدأ هذه المرأة في إلقاء الخطبة. المرأة الغنية والقوية وذات الطموح تحب رجلاً لا يستحق هذا الحب! لماذا؟ لأنه، منذ البداية كما تكتشف متأخرة، رجل انتهازي بلا ضمير! ولأجل حبها هذا تضحي بكل شيء، باهتماماتها وشخصيتها واستقلاليتها، حتى إنها (تبادر) إلى مضاجعة من يستطيع أن يعيد إليه عمله المميز حين يحتاج الأمر إلى تصحيح خطأ بينه وبين مدير ما! وفي النهاية تحمل حقيبتها مقررة عدم إمكانها على الاستمرار، بعد كل هذا العمر، ودون أي جديد سوى تأكدها من استحالة أن يتقوم. ودون أن تتحرك شعرةٌ في مفرق الرجل الجالس!
خطبة لاذعة ضد رجل جالس
تأليف: غابرييل غارسيا ماركيز
إعداد: جوان جان
إخراج وتمثيل: مها الصالح
طبعاً، كعادة الأفلام العربية التي أشرنا إليها، لا بد أن يكون الرجل والمرأة من تلك الطبقة الغنية التي تُقدّم على أنها هي المجتمع. تلك التي يستطيع الرجل فيها أن يلاقي حبيبته في بروكسل! أو يغير طريقه حول العالم لأجلها!
هذه هي القصة! لا يوجد تصوير واحد لحرارة الحب الأساس. ولا لتضحية من تلك التي نعرفها. ولا يوجد أي معالجة للخيانة التي دأب البشر على معالجتها منذ تعلموا التفكير متنقلين من مستوى نفسي وحضاري إلى آخر. فليس هناك مبرر ما. حتى ذلك النوع من المبررات التي تشير إلى انبثاقات روحية مفاجئة وغير مفهومة.
رغم ذلك، يمكن لأي قصة تقريباً، مهما بدت تفاهتها، أن تجد مكاناً لها مثيراً في عقول المتفرجين حين تجد معالجة مناسبة في تمثيل وإخراج مناسبين. لكن هذه القصة لم تجد، للأسف، أي من هذين الأمرين.
السيدة مها الصالح، المخرجة والممثلة شبه الوحيدة، لم تقدم لنا في تمثيلها وإخراجها شيئاً مميزاً. هذا هو الديكور الذي نعرفه لبيت من هذه الطبقة. كرسي فاخر يجلس عليه الرجل-التمثال. الحمام ذو البانيو. السرير الإمبراطوري القديم. والبار في غرفة الجلوس. وجرائد كثيرة لا تني تمزقها وهي تدخن السيجارة تلو الأخرى بعصبية امرأة غاضبة. لم تحمل حركاتها أي تنوع. فهي تتحرك بحركة مكررة بين البار والسرير ومرات قليلة نحو الرجل الجالس. ويكاد يكون وجهها قد حافظ على التعبير ذاته مع مختلف الحالات التي تحدث عنها فمها. بل حتى نبرة صوتها بقيت هي هي: عالية ومشوبة بالخيبة المعتادة.
ربما باستثناء مشهدين صغيرين لعبت فيهما الإضاءة دوراً مميزاً في تغيير المناخ الروتيني الذي عبق في جو الصالة. وربما سلبية الرجل الذي أتقن الصمت بطريقة لافتة للانتباه.
إلى ذلك، دخل عدة رجال إلى المسرح في إضاءة زرقاء خافتة. يتحركون ببطء قبل أن يستقروا في خلفية المنصة وبعضهم يدخن بشراهة. لم أجد طريقاً لفهم وجودهم ودورهم كما لم يجد بعض الأصدقاء الذين حضروا العرض!
باختصار، لم تقدم المسرحية أياً من العناصر الثلاثة بتميز: لا النص ولا الإخراج ولا التمثيل. مما يدفع إلى القول إن عنوان المسرحية (خطبة لاذعة ضد رجل جالس) تحقق في فضاء الصالة التي لم تكن ممتلئة على صغرها، بطريقته الخاصة: خطبة مملة ضد جمهور جالس!