لماذا يمكن للشاب أن يستقل عن أهله حين بلوغه الثامنة عشرة من عمره في كندا؟ بل لماذا يكون عدم استقلاله هو أمر يَنظر إليه بسلبية جميعُ الأطراف؟ إنه سؤال دأبنا على الإجابة عنه معتمدين على تفكك الأسرة الغربية مقابل تماسكها في بلداننا. لكن د. يوسف سلامة قدم تفسيراً آخر في لقاء ودي في صالون الخميس الذي تقيمه السيدة حنان نجمة:
لا يحتاج الإنسان في كندا، وبلدان أخرى طبعاً، إلى القلق على ما سيأتيه في أيامه المتأخرة، في شيخوخته. ولذلك لا يحتاج إلى أن يبني علاقته مع أبنائه على أساس عاطفة مغلقة تهدف فيما تهدف إلى ضمان شيخوخة غير مشردة! أمضى د.سلامة أربعة أشهر في كندا مبعوثاً من جامعة دمشق للعمل على بحثه الذي يعده. ويبدو أنه لم يكتف بالتجوال بين الكتب والمراجع. بل أمضى الكثير في التجوال في تفاصيل حياة تستحق التوقف عندها. فقد رأى تجربة في التعايش القومي والثقافي مختلفة عما هو معروف في العالم. إذ يكفي أن تتقدم مجموعة كافية بطلب ترخيص خاضع للقوانين لممارسة خصوصياتها. فتقدم الدولة لها المدارس يومي الأحد والاثنين لتمارس فيه تعليم لغتها الأم وخصوصياتها الثقافية والاعتقادية، في مسعى لمزيد من التنوع الإيجابي الثقافي. كما أن النظام التعليمي هو نظام فعال. إذ يعتمد على التعدد بدل الأحادية. إذ على طالب الطب أن يدرس العلوم قبل أن يدخل كلية الطب. وعلى طالب الحقوق أن يدرس الآداب أولاً. وهو نظام يأخذ بالحسبان ظروف الطالب فلا يجبره على مواصلة الدراسة حتى النهاية دفعة واحدة كما هو الحال عندنا. بل يمكنه أن يدرس مرحلة ثم يعمل بضعة سنين إذا أراد، ويعاود إكمال دراسته بناء على ما حصله سابقاً. ويرى د. سلامة أن الطبقة الوسطى هي الطبقة الأساس في كندا. والحياة السياسية والاجتماعية محمولة عليها. حتى إن الفروق في الدخل بين مختلف شرائح المجتمع هي، على العموم، فروق بسيطة لا تشكل فارقاً نوعياً. كما يرى أن الدولة في كندا تقوم بالكثير من المهام الاجتماعية المميزة. فهي تقدم ضماناً صحياً كاملاً. وتقدم نظام توفير للأطفال بحيث تدفع الدولة 4 دولارات كندية مقابل كل دولار تضعه الأسرة في حساب طفلها كادخار يستحق له عند بلوغه الثامنة عشرة. وفيما يخص البحث الذي يعمل عليه د. سلامة، فقد أشار إلى أنه يتعلق بتطبيقات الفينومينولوجيا على الدين. وبعد أن قدم شرحاً مبسطاً لهذه المدرسة الفلسفية التي تعتمد على دراسة الأشياء ذاتها، أي تعطيل كل الأحكام المسبقة أياً كان مصدرها ومواجهة المدروس مباشرة. واعتماد مفهوم الوعي بشيء، أي عدم وجود وعي فارغ غير متعلق بموضوع ما. بعد ذلك أشار إلى أن بحثه يحاول أن يغوص في التراث العربي والإسلامي، الصوفي خاصة، بحثاً عن طبيعة العلاقة بين الدين والمتدين. ويرى سلامة أن التجربة الدينية هي تجربة وجدانية شعورية. وهي بالتالي تجربة شخصية يعانيها الباحث (المتدين) في شعوره وإدراكه. وفي هذا الفهم تصدٍّ للفهم الرائج للتجربة الدينية الذي يقول بممارسة القسر بمختلف أشكاله لفرض الدين وتعميمه. وهذا يعني الانتقال بالدين من الخارج (ممارسة مفروضة ويعاد فرضها) إلى الداخل (ممارسة وجدانية شخصية). وهذا مسار يختلف، ويعاكس مسار البحوث المعتادة في هذا المجال (رغم أن هناك تجارب في العالم نحت نحو تطبيق الفينومينولوجيا على الدين، كمدرسة شيكاغو)، أي آليات نشر تدريس وتعليم الدين. فكلية الشريعة على سبيل المثال تدرس الدين بكل ما فيه (نصوص واجتهادات وتفسيرات وتأويلات..) على أنه علم نهائي كامل لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من ورائه. وهي الطريقة التي تفرز النمط الذي نراه الآن في التفكير والممارسة الدينيتين: التطرف والغلو والقسر. بينما يمكن للدراسة الجديدة للدين أن تستكشف العلاقة بين الإنسان الفرد وربه بصفتها تجربة حرة وخاصة. وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إنتاج تطبيقات مختلفة (مثل الأحزاب والجمعيات..) تساهم في إنتاج إسلام وجداني- روحي- شعوري.