كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
الرئيسية arrow نصوص.. arrow الضحك المغدور . . بكاء في البدء و بكاء في المنتهى
الضحك المغدور . . بكاء في البدء و بكاء في المنتهى طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

 حين يفلت الوليد من سجنه الأول المشدود بالمشيمة والمبلل بماء الحداثة، يفتح فمه ليطلق ما سيصير وسيلته الأساسية في وجوده الاجتماعي، الصوت. لكن، لسبب ما، يطلق ذلك الصوت الذي يشبه البكاء. ستكون كارثة لو أن القادم الجديد يهوى البكاء. لذلك يصير السؤال عما إذا كان هادئاً، قليل البكاء، أهم الأسئلة عن أحوال الطفل. فإذا كان الطفل بشوشاً طار عقل الناس به. أما إذا كان ضاحكاً، وقرقر حين يكاغيه أحد ما، فسيطير عقل أمه به سعادة وفرحاً.


لكن كم سيطول هذا الأمر؟ حتى بضع سنين أخرى على الأكثر. ثم تبدأ سلسلة الدمج الاجتماعي التي من دروسها الأولى القاعدة الحكيمة: (الضحك من دون سبب قلة أدب). والأسباب متغيّرة بسرعة كتغيّر وادي السيليكون، على عكس وسائل التربيـــــــــة البطيئـــــــة التغيّر بطء تغيّر القوانين في شرق المتوسط .
تاريخ البشرية متخم باحترام وتقدير وتقديس البكاء بأشكاله المختلفة. ففي كل الأعمال الأدبية التي خلدت على مرّ العصور تكمن تراجيديا محكمة تُبكي الحجر. من جلجامش وأوزيريس مروراً بأوذيس، انتهاء بسلة الأدب النوبّلي المعاصر. طبعاً الأمر مفهوم. فهؤلاء جميعاً أبطال. سواء كانوا حقيقين كأجساد، أم حقيقيين كتصورات مجتمعية شديدة التعقيد. والبطل في كل مكان وزمان هو إنسان، ذَكر على الأغلب، ذو قامة ضخمة، يميل لأن يكون مربوعاً، شديد الوطأة، يحمل وجهاً بملامح قاسية، عاقد الحاجبين على الدوام، لا يسمع أحد له صوت ضحكة ولا يكحّل أحد عينيه بمرأى طيف ابتسامة على شفتيه، إلا في حالتين استثنائيتين أكد التاريخ أنهما من صفات الأبطال. وهما حين يقهقه البطل(إذا اعتبرنا القهقهة دائماً شكلاً من أشكال الضحك، كما نعد عدم الخروج على الرأي الرسمي دائماً هو شهادة الانتماء للوطن)في لحظة انتصار حاسم. وحين يقهقه في لحظة سخرية لاذعة تكون كالهدوء الذي يسبق العاصفة، كتلك القهقهة التي أطلقها نيرون حين شرع في حرق روما.
ليس الأدب (مرآة المجتمع ومنازل روحه وقيمه) هو وحده الذي حارب الضحك، وإن بطريقة غير مباشرة عبر تمجيد الحزن والبكاء، بل الأديان فعلت ذلك أيضاً. فمن معابد عشتار المقدسة إلى كنائس الشيطان في رأس الشيطان الذي نصّب نفسه بالقوة التي لم تجد من يردعها (رغم المحاولة الرائعة معنوياً والبائسة مادياً والحمقاء توقيتاً)، يجب أن تأتي إلى مدرسة الله بخشوع، يعني الخوف والرهبة والوجوم (الحميد؟)، وأن تنبذ نبذاً مطلقاً الضحك الملعون ومشتقاته، ليمكنك أن تشرع في التقرب إلى الله. بل إن أديان الأرض جميعاً لم تشر ولا إشارة واحدة إلى الضحك باعتباره إغراء فردوسياً. وطبعاً توجد أديان لا أجرؤ على الاستشهاد بوقائعها لتبيان صحة تقديري، ولذلك أفضّل أن لا أستشهد أبداً، كيلا يقول أحد إنني أستثني الدين الفلاني لغاية في نفسي. ذلك أن الكذب والدجل لا يعرّفان بإظهار ما هو مخالف للحقيقة فقط، بل يعرّفان بإخفاء جزء من الحقيقة أو السكوت عنه أيضاً. وهو ما نفعله على الدوام نظراً إلى اعتقادنا الأساسي بـ (مئة أم تبكي ولا تبكي أمي). لم تشذ طائفة أو ملّة عن قاعدة التراجيديا هذه. باستثناء أولئك الملتاثين أصحاب بعض الطرق الصوفية الذين يعمدون إلى حركات ورقصات وإيقاعات تؤدي فيما تؤدي إليه إلى غلبة الداخل الحرّ على الخارج السجين، فإذا بالعابد يبتسم ابتسامة ساحرة تغني عن الضحك وما جرّ جرّه، وتفعل فعلها في كسر البوابات الصلدة المكفهرّة، وتفريق الحراس المدججين بالسلاح، بين الخالق والمخلوق.
التنظيمات الاجتماعية أيضاً عملت على تقنين الضحك وتحديده ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. فكل الأحزاب من يمين اليمين إلى يسار اليسار (وهذان طرفان متناقضان على عكس ما يريد بعض (الصيّع) أن يقنعنا بمقارنات تشبه المقارنة بين الدرجة صفر والدرجة 360 في الدائرة على أنها النقطة ذاتها، أو بين وزير وعامل البلدية باعتبار أن كليهما خاضع لقانون العاملين الموحد، أو بين ميّت من التخمة وميّت من الجوع على أساس أن كليهما ميّت بغض النظر عن الأسباب)، تأخذ الطابع الجاد في اجتماعاتها ومناقشاتها وتقاريرها. ولا تقبل طُرفة أو نكتة ترمى إلا على سبيل الظرافة التي يجب أن تكون في مكانها وزمانها المناسبين، والأفضل أن تخدم الفكرة العامة والخط العام والأهداف العامة وكل ما هو عام في فكر الحزب وعقيدته واستراتيجيته وتكتيكه.
حتى أجهزة الأمن تأخذ على محمل الجد أي ضحكة خارجة على السياق. لذلك تقوم بالتنسيق مع جماعة البروتوكول برسم كل خطوة وحركة وابتسامة للرئيس قبل أن تدور الكاميرات. هذا على ذمة إحدى الصحف الغربية التي أجرت تحقيقاً مصوراً عن كلينتون ، وكم سبّب من وجع الرأس لجماعة البروتوكول بحركاته غير المدروسة التي أدت به مرة للتزحلق عن سلم الطائرة، ومرة أخرى للتأخر عند الحلاق، قبل أن يكتشف أن لدى مونيكا ما هو أمتع من سوالف الحلاق. بل إن أحد المغرضين همس في أذني أن لدى أحد أجهزة الأمن عندنا قسماً خاصاً يدعى قسم النكتة السياسية. وقد أكد أن هذا القسم يقوم بتأليف الطرائف السياسية التي تتناول كبار رجال الدولة ونشرها بهدف معرفة من يتداولها بشغف ليصير إلى (إعادة تأهيله) لاحقاً. يبدو الخبر معقولاً، لكنني أعترض على القسم الأخير منه، إذ أعتقد أنه يقوم بتأليفها ونشرها لتحقيق أشدّ المتعة للمواطنين الذين يعملون بجدّ وكدّ وتفان إلى درجة لا يسمحون لأنفسهم فيها بإضاعة الوقت بتأليف مثل هذه الطرائف فيقوم هذا الجهاز بخدمتهم خدمة مجانية.
مع ذلك، ورغم ذلك، لم يستطع تشريع مكتوب أو شفهي قمع، ولم تتمكن حرية، لم ينجح طاغية ولم تقدر عقيدة، على إلغاء أن الضحك، وما يخبئه في مكامنه من سرور وراحة، هو الغاية الثانية للنشاط البشري (بعد الغاية الأولى التي هي الكسل، بغض النظر عن التسميات الأكثر تشذيباً التي اخترعناها). بل هو في الحقيقة الغاية الأولى، لكنه وضع ثانياً لقناعة الناس أن الكسل (أو الراحة والرفاهية و. . إلخ) هي معبر السعادة الحتمي. فلماذا إذاً لا نختصر الطريق؟.


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 71

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS