كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
الرئيسية arrow مقالات.. arrow (حسب تقديرك).. مشروع تخرج أم تمثيلية تلفزيونية طويلة!؟
(حسب تقديرك).. مشروع تخرج أم تمثيلية تلفزيونية طويلة!؟ طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ما الذي رأيناه على مدى ساعتين إلا بضع دقائق على منصة المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية؟ أتساءل لأنه من غير المعتاد أن نشاهد أعمالاً مسرحية تمتد كل هذا الوقت الطويل. ويستحق الوقتُ التقديرَ الكافي ليتساءل المرء عما حدث خلاله.
على غلاف البروشور هناك جملة تقول: مشروع تخرج طلبة السنة الرابعة، قسم التمثيل، 2003-2004.

 وهذا يقدم مفتاحاً أولياً للعرض يقول إننا سنشاهد الآن ما الذي أنجزه فنانونا القادمون، أية إمكانات وخبرات، أية موهبة وأي علم، خلال سنوات دراستهم الأربع الماضية. وهذا يفترض، بالتالي، أن العمل مكرس لتقديم هذه الإمكانات والخبرات، هذه الموهبة وهذا العلم كما تجسدت جميعها في كل من الطلاب المتخرجين، وفي عملهم المشترك. لكن أولى الصدمات الكثيرة التي لا يتوانى العرض عن مواجهتنا بها هي أن العمل لا يأخذ بالحسبان هذا الأمر نهائياً. إلى الدرجة التي نرى فيها طالباً واحداً يكاد لا يفارق الخشبة، بينما طالبة أخرى لا تظهر إلا في الدقائق الأخيرة! ونرى فيها أربع طالبات يشكلن كتلة صماء في دورهن المشترك والموحد دون أي تميّز لكل منهن. فهن يعدن الحديث نفسه، بالسرعة نفسها، بالإيقاع نفسه، بل حتى حركة المروحة لا تختلف! هناك ردّ جاهز على هذه الملاحظة أن دورهن هو إبراز مجتمع موحد في فضوله وحماقته وسطحيته. لكننا هنا لا نحضر عملاً مسرحياً بل مشروع تخرج. أي أنه عرض كان يجب أن يأخذ بالحسبان منح كل من الطلاب المشاركين فرصةً ليظهر فيها إمكاناته في إطار العمل المشترك. مع ذلك أظهرت الطالبات قدرة انفعالية وحركية عالية في أدائهن. لكن المشكلة كانت أنهن سجينات دورهن!
تقوم مقولة العمل على أن الحقيقة تتوقف على الزاوية التي ننظر منها إلى الأمر. وليس هناك حقيقة قائمة بذاتها بعيداً عن خلاصة البشر الذين يبحثون عنها. بغض النظر عن صوابية هذه المقولة أو خطئها، فهي مقولة كبيرة أثارت الكثير من النقاش، والمآسي، بل و الحروب خلال تاريخنا البشري الطويل. وهي متداخلة مع ظروفنا المادية والاجتماعية والنفسية المختلفة. أي أنها مقولة صالحة بامتياز لتجسّد مسرحياً. لكن الذي حدث في (حسب تقديرك) أنها تحولت إلى حوار عادي طويل لا يختلف بشيء عن حاله حين يجري في أي بيت! هل النص الأصلي هو هكذا؟ قد يكون. لكن هل النص المسرحي سوى المادة الخام التي يبنى عليها المسرح؟ إذا لم يكن كذلك، فسيكون من الأجدى أن نشتري النص من المكتبة ونجلس على أريكة ونقرأه!
حسب تقديرك
تأليف: لويجي بيرانديللو
سينوغرافيا وإخراج: د. سامر عمران
الممثلون: أسامة حلال/ أناهيد فياض/ جابر الجوخدار/ جمال سلوم/ ديانا فاعور/ رغد المخلوف/ ريم زينو/ سوسن أرشيد/ شادي مقرش/ ميرنا زينون/ نسرين فندي/ هامي بكار/ يحيى بيازي.
تصميم الديكور والأزياء: د. سامر عمران
مخرج مساعد: محمد آل رشي
تصميم الإضاءة: ماهر هربش
هكذا يبدأ العمل مع مقدمة تؤكد نسبية الأشياء. تسارع إحدى الممثلات لتؤكد أنها فقرة خارجة عن العمل، وما هي إلا (تجريب، تغريب.. من المخرج)! جملة تعاد مرة أخرى داخل العمل بلا أي سياقٍ، تاركة سؤالاً معلقاً في الفراغ! وما إن يبدأ العمل حتى يبدأ الحوار النمطي: مجتمع يريد معرفة مشكلة الجيران الجدد. بدافع وحيد هو الفضول. ورجل (حكيم) لا يني يوبخ ويسخر مؤكداً أن الحقيقة نسبية أولاً، وأنها لا معنى لها لغير أصحابها ثانياً. تدخل الجارة الأم لتفتح العمل على جبهته النفسية، فصهرها يحرمها من رؤية ابنتها. صهرها يدعي أن الأم مجنونة. بعد أخذ وردّ تلتقي، صدفة، الأم والابنة التي تظهر لدقائق قليلة تنهي فيه العرض على إيقاع انهيار الأم وصوت الموعظة النهائية: هل هذا ما تريدون؟ أنا لست موجودة! هكذا، باختصار شديد لا يخلو من قسر، يمتد العمل ساعتين! الابنة لا تظهر إلا دقائق! طالبة أخرى تظهر دقائق أيضاً على أنها صديقة إحدى النساء دون أي معنى. حتى إن حذفها نهائياً دون أن نغير كلمة واحدة في العمل، أو حركة واحدة من أي ممثل كان، لن يترك أي أثر على العمل من أي درجة كانت! فقط مشهدان مثيران بامتياز: لقاء الأم والصهر، ثم لقاء الأم والابنة. وكل من المشهدين لا يستمر أكثر من دقائق! والوقت الطويل المتبقي؟ إنه الحوار!
مع ذلك، ألا يمكن للعناصر الأخرى في العمل المسرحي أن تجعل من الحوار مسرحاً؟ بلى. لكن لنر إلى هذه العناصر كيف تجسدت في هذا العمل.
بالكاد، وفي بضع لقطات فقط، ولوقت قصير جداً، تحركت الإضاءة خارج لحظتها الاعتيادية: الأصفر المشوب ببعض الأزرق! مع أن هذا يبدو غريباً إذا عرفنا أن تصميم الإضاءة هو لفنان قدم جماليات مميزة في أعمال كثيرة أخرى (أعمال فرقة إنانا، تمرد عقل..)! أما الديكور فيثير تساؤلات لا تجد أجوبة. من الواضح أنه لم يُبخل على ديكور العمل. وهو جميل كلوحة. لكنه بقي الديكور ذاته طوال هذا الوقت. كل ما فيه أن باب شرفة يفتح هنا ثم يغلق. أو أن أحد الأبواب الثلاثة العشر المحيطة بالمنصة تفتح ليخرج أحد ما، أو يدخل، ثم تغلق. بل حتى التميز الوحيد في الديكور المتمثل في حركة الأبواب (الأكورديونية) التي تتقدم إلى مركز المنصة لم يجر استثمارها بطريقة جميلة أو ذات دلالة غير مرة واحدة فقط (لحظة ما قبل لقاء الأم والابنة). وفي غير ذلك تحولت إلى حركة روتينية تشبه تماماً حركة باب الاكورديون العادي في أي صالون عادي! ليس هناك أي عناصر ديكورية أخرى غير طاولة مقشرة الوجه أخذت الدور الطبيعي للطاولة: أن توضع عليها الأوراق!
غابت المؤثرات الصوتية غياباً شبه تام. ثلاث مرات واكبت الموسيقا، بنجاح، ثلاث لقطات لم تستمر في مجموعها سوى أقل من ربع ساعة. وباقي الوقت ليس هناك سوى أصوات الممثلين والممثلات. وأحياناً أصوات دواليب الكراسي الجرارة حين تُجر أو تكرج.
الأزياء؟ ربما كانت تحمل بصمة مميزة بأشد الطرق بساطة: فقد لبست السيدات السطحيات اللباس ذاته. وحملن المراوح ذاتها. ولبس الرجال القمصان ذاتها وربطات العنق ذاتها والسترات ذاتها باختلاف في اللون. أما الجيران الأغراب فقد اتشحوا بالسواد. الرجل (الحكيم) وحده كان مختلفاً في تأكيد بصري على تميزه بالقول إن الحقيقة واقعة نفسية. ولفتة (أزيائية) أخرى أن العلامة الخاصة على سترات الرجال صارت لاصقاً يحولهم إلى مجرد ستر لا يختلف ما في إحداها عن الآخر.
أخيراً، لم نقل شيئاً عن أداء طلاب السنة الرابعة في مشروع تخرجهم لسبب بسيط: لم يحصل هؤلاء الطلاب على فرصة تسمح بتقييم أدائهم أو نقده!


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 158، (7/7/2004)

تعليقات
أضف تعليقكبحث
رزان - شكرا     | | 2008-07-30 04:45:29
المسرحية شكلها بتطير العقل والممثلين رائعين شكرا على الاهتمام
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS