كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
الرئيسية
خرافة الصراع الطبقي: اتركوا لنا فتاتاً أيها السادة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

هل تعرفون كم يقبض (فنان) واحد، هو ليس وديع الصافي أو الملكة فيروز أو المرحوم عبد الوهاب، في أدائه لمدة ساعتين فقط في أحد مطاعمنا التي ليست لنا؟ 006 ألف ليرة سورية فقط لا غير! واحد آخر يقبض 021 ألف ليرة سورية. وآخرون أقل (موهبة) يتنازلون إلى مستوى الـ 08 ألف فقط. هذا طبعاً لأنهم ليسوا من المستوى الأول في انحطاط الغناء العربي. فأصحاب هذا المستوى قلّما يأتون إلى بلدنا الفقير سياحياً. وهم على كل حال يتجاوزون ما يقول عنه المصريون: الأرنب. ولأن الفن كأي نشاط آخر، هو سلعة خاضعة للعرض والطلب، يجب أن نتساءل عمن يدفع كل تلك التكاليف الباهظة لأولئك الذين تملأ الإعلانات عن حفلاتهم وسائل الإعلان الطرقية.

تحيط دمشق العاصمة من الشمال والغرب والجنوب سلسلة من المطاعم التي تتعاقد مع مغنين وراقصات يساهمون في عملية الهضم الصعبة لأنواع اللحوم والكبّات والمقبلات وصنوف الطعام المختلفة. وكذلك تمتلئ دمشق المدينة من طريق الربوة إلى المقاصف الحديثة في الأزقة التاريخية لدمشق القديمة. وكل هذه المطاعم تطلب أسعاراً قد تكون عادية قياساً بأسعار الوجبات ذاتها في البلدان الأخرى. لكنها أسعار أقل ما يقال عنها إنها كاوية إذا قيست بمتوسط دخل الفرد في سورية. فكيف إذا قيست بالدخل الحقيقي لأغلب سكان هذا البلد الذي يقل عن المتوسط الحسابي لدخل الفرد؟ فالطاولة العادية لشخصين تكلف نحو 005,1 ليرة في المطاعم العادية. بينما تكلف في كل المطاعم التي تستدعي أولئك المغنين والراقصات ما لا يقل عن 000,5 ليرة. ولا يمكن الافتراض بأي حال من الأحوال أن مرتادي هذه الأماكن هم من أولئك الذين يقبضون من الدولة حتى عشرة آلاف ليرة في الشهر. كما أن الاعتقاد السائد بقيام هذه المطاعم على أكتاف السياح وخاصة الخليجيين منهم هو اعتقاد خاطئ. فهؤلاء لا يأتون إلا لفترة قصيرة خلال العام. والذين يأتون منهم إلى بلدنا هم من يطلق عليهم لقب (المنتوفين). أي أولئك الذين لا يسمح لهم دخلهم بالذهاب إلى أوربا، ولا إلى لبنان أو الأردن، فيأتون إلينا لـ(رخص) الأسعار عندنا. وهم أيضاً عرفوا كيف يديرون لعبة المساومة إلى درجة أن سائق التكسي يفضل ابن البلد على أي خليجي غير سكران. لأن ابن البلد سيدفع زيادة عن العداد ما لا يقل عن بضع ليرات من تلقاء نفسه. أما الآخر فيدقق على القرش.
إذاً من الذي يدفع تلك الأموال التي تبدو تافهة على كل حال أمام المبالغ التي تدفع في أماكن أخرى وفي مناسبات أخرى؟ كم يا ترى يكلف حفل زفاف، أو حفل عيد ميلاد، أو حفل نجاح في الميريديان أو الشيراتون أو في نادي الشرق الذي تنسب له قصص من ألف ليلة وليلة؟ ليس كثيراً إذا اعتمدنا الفواتير الرسمية. وهذه الـ (ليس كثيراً) تعني عشرات الآلاف. لكن الحقيقي هو ما لا تقوله الفواتير.
لنبتعد عن المقاصف والملاهي والفنادق الفخمة ولنلق نظرة عابرة على غرب وجنوب غرب دمشق مرة أخرى، لكن هذه المرة لنرى كم من المزارع الخاصة تتناثر هنا وهناك على امتداد الأراضي التي تتحول داخل الأسوار إلى قطع من الجنة. لعلها مجرد مساهمة في إحياء الغطاء الأخضر الحيوي لهذه الكرة الذاهبة إلى التصحر. لكنها ليست كذلك. فهذه المزارع التي تكاثرت خلال العشرين سنة الأخيرة ليست إلا استراحات خاصة لأولئك الذين يكدون ليل نهار في اقتناص الأرباح من عمالهم ومزارعيهم (أقصد أبناء بلدي) وأولئك الذين عرفوا كيف تصير الوظيفة في المناصب المهمة بقرة تحلب الذهب. وتحولت رواتبهم إلى مجرد بدل نفقات، عليه أن يعمل جيداً على استغلال منصبه وتدبير العمولات من هنا وهناك، والخدمات المدفوعة الثمن ليجمع ثروة تليق بشغله هذا المنصب. (على طريقة ما يأخذه النادل في المقاهي من مبلغ زهيد ليحصّل دخله عن طريق البقشيش من الزبائن).
هذه المزارع الفخمة باهظة الثمن. كما أنها مجهزة جيداً بكل وسائل الراحة لتحقق غايتها في إسعاد أولئك الذين يتعبون كثيراً في تحصيل لقمة عيشهم. إذ إن استغلال العامل بحرمانه من التأمين، وإجباره على توقيع استقالته بدون تاريخ من اللحظة التي يباشر فيها العمل، وتقديم رواتب مسخرة لعمل مجهد، وتأخير دفع الرواتب بحجج وأساليب مختلفة. وكذلك غش البضاعة وإخفاء حقيقة تكوينها وجودتها عما يعلن عنه على غلافها أو بوسائل الإعلان المختلفة، واحتكار بضائع محددة والتحكم بأسعارها وفق ما يراه مناسباً، وتدبير العلاقات هنا وهناك عبر مختلف أجهزة الدولة المعنية وغير المعنية بالعمل الصناعي والتجاري، كل ذلك يستهلك الكثير من الجهد والتعب الذهني والجسدي الذي يتطلب بالتأكيد وسائل راحة مناسبة ليستطيع الاستمرار في خدمة هذا البلد!
ربما دخلت على الموضوع من باب غير أكاديمي، وغير سياسي، وغير اقتصادي، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمات، لأرى إن كانت إشاعة انتفاء الطبقات هي حقيقة أم لا. وهو مدخل غير صالح بالتأكيد ويحمل الكثير من غياب الدقة. لكن هذا المدخل يعرفه كل الناس دون حاجة للدخول إلى سجل الحسابات لأي شركة أو مسؤول. ذلك الدخول الذي تفشل وزارة المالية في تحقيقه على الدوام، بينما تنجح على الدوام في قص كل ما يمكن قصه من دخل الموظف العادي المنحوس، دون الإشارة إلى ابتكارها الجديد المثير للسخرية، والذي لا يستحق أكثر من ابتسامة من طرف الشفاه، حول الضريبة على الريسيفر.
إذاً هل أنتمي أنا، المواطن الذي يعمل عملين لمدة عشر ساعات يومياً، ويعيش في منازل مستأجرة منذ ما لا يقل عن عشرين عاماً، وأقبض أقل من عشرة آلاف ليرة في الشهر، هل أنتمي إلى ذات الطبقة التي ينتمي إليها من يضع في نهاية كل ليل خميس أكثر من عشرين ألف ليرة سورية على طاولة واحدة في أحد المطاعم، ويتجاوز مصروف بيته الشهري الـ 001 ألف ليرة سورية؟


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 69

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS