أمي.. أين أنتِ؟ لماذا أنت بعيدة عني هكذا؟ لماذا فطمتِني فجأة عن صدرك العامر؟ ألم يكن الوقت مبكراً؟ ألم يكن يجب عليك أن تشديني بقماطك الأبيض على جسدك الذي أتعبَته ولادات لا تنتهي، بدل أن ترسليني إلى مصيري المجهول؟ مصيري الذي تركتني فيه وحيداً في غابة سوداء لا أميز فيها مدخلاً من مخرج؟ هل صدَّقت حقاً أنني سأكبر إلى الدرجة التي أستطيع فيها أن أكون رجلاً، كأولئك الرجال الذين كانوا في أيامك؟ هل اعتقدت حقاً أنه سيكون هناك رجال ينحدرون من هذا الصلب في يوم من الأيام؟
ها أنا ذا قد كبرت. بل هاهو ذا الشيب بدأ يخط شعر رأسي ولحيتي. وما زلت إلى الآن أبحث عن رجولة ضائعة فلا أجدها. لست أدري إن كنتُ قد أخطأتُ ذات يوم بفهم الرجولة. بل لست أدري إن كنتُ قد كوّنتُ أي فهم حول هذا الأمر. لكنني، كما يشعر أي كائن حيّ آخر على هذه الأرض بتغير درجات الحرارة، شعرت على الدوام أن هناك خطأ ما. لم أستطع يوماً أن أفهم كيف يمكن أن تلتقي الرجولة ووجه أبي المكفهر. كيف تلتقي الرجولة وعصا المدرس ذي الرأس البارد كمكتبة، أو الرجولة وحشو السادة المختصين لأحذيتهم في فمي، أو الرجولة والصمت..
كنتُ أعرف أنني لن أستطيع أن أزورك هذا العيد أيضاً. وكنتُ أعرف أنني لن أستطيع أن أرسل لك غير بضع كلمات جميلة. لكنني كنت ممتلئاً بكِ، برائحتك المطمئنة، بهمستكِ الدافئة، بنظرتك الحانية، بيديك القويتين، بإرادتك العالية، بهامتك السامقة.. وكنتُ راغباً أن أضحكَ، أن أُسمِعكِ ضحكتي لأوهمكِ أنني على ما يرام. وأن ابنك لم يخيِّب كل آمالك.
لكن.. هاأنتِ ذي ترين. لم يعجب الـ.. ابن الـ.. بوش (وليحاكمني قانون المطبوعات، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون المقتضيات السياسية، وكل قوانين الأرض) أن أحتفل بكِ. وكيف سيعجبه ذلك؟ أليس هو الذي قال عقب انتخابه، في إحدى السهرات: (إنني مملّ)؟ رجلٌ مملّ!. كيف سيفهم أنكِ مبتدئي ومنتهاي؟ كيف سيتذوق، ذاك الذي لم يذق في حياته غير الأطعمة المعلبة، إصبعاً من اليبرق الذي تصنعه يداكِ مجبولاً بقطراتٍ من عرق جبينكِ؟ كيف سيفهم نظرة عينيك وأنت تقسمين (الفروج الصغير) بين عدد لا متناه من الأفواه؟ كيف سيقدّر استيقاظكِ المبكّر لتحضّري لنا الإفطار، وتسمعينا فيروز وهي تغني: (تحت العريشي سوا ربينا)؟
رجل مملّ.. ما الذي يفعله في قيادة العالم؟ ما الذي يفعله وهو على قيد الحياة؟ سليل القتلة ذاك، سليل الذين أبادوا شعباً كاملاً (بل شعوباً) سميت خطأ الهنود الحمر؟ سليل الذين حرقوا غابات بأكملها، وبضمنها بشر وحيوانات ونباتات، في الفيتنام، بالغاز الأصفر والنابالم؟ سليل المجرمين الذين لم يتوانوا عن أن يذهبوا إلى آخر الأرض ليجربوا جحيم القنبلة النووية على مدينتين، فيبيدونهما في لحظة، مانحين العالم فرصة أن يرى الفطر النووي واقعياً، للمرة الأولى؟
كنتِ تصرخين في وجهي حين أفعل مالا يرضيكِ. أذكر ذلك جيداً. كنتِ تريدين أن تمنعيني من فعل ما فعلته أنتِ، معتقدة أنها تجربة يجب أن لا أخوضها. كنت تتصورين أنني سأكون التجسيد الحي للملائكة على الأرض. لكن الأرض، كما ترين، لا تتسع للملائكة والبشر. فكيف للملائكة والبشر والطغاة والرجال المملّين؟
هل مللتِ، يا أمي؟ هل أعيد ما يجترونه على التلفزيون، وفي الصحف، وفي كل مكان؟ أعرف ذلك. لكنني لم أعد أملك شيئاً. مئات الآلاف من عناصر الأمن من مختلف الأسماء، والآلاف المؤلفة من شرطة مكافحة الشغب من الخليج (خليج من؟) إلى المحيط (محيط من؟)، والحمقى الذين يهللون لاستبدال دولة طاغية كاملة بالطغاة المنفردين. والجبناء الذين لا يجرؤون على أن يعطسوا دون أن يأخذوا الإذن. أخذوا مني كل ما أملك، ورموني خرقة يعرفون كيف يلوحون بها وقتما يريدون، وكيفما يريدون.
هل لديك، أنتِ، أية كلمات يمكن أن تقال؟ تحت الجحيم الذي تصبه أمريكا فوق رؤوسنا؟ تحت العار الذي يجللنا ونحن نتفرج على استباحة بغدادنا للمرة الألف؟ تحت الهلام الذي صرنا إليه؟
ولكنني لا أريد كلمات. أريد صدرك مرة أخرى. أريد عطر يديك تمسدان رأسي المتعب. أريد صوتك يهدهدني. أريدك أنتِ.