كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
الرئيسية
ردّ الحجّامين على تحقيق (الحجامة): الدكتور البوطي مكابر.. وكاتب التحقيق كافر! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

(إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر، فهل رأيت تسامحاً على أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟) لم يلتق الإمام محمد عبده، قبل أن ينتقل إلى الرفيق  الأعلى، بالباحث والمفكر عبد القادر الديراني. ولو حدث ذلك لغير رؤيته السابقة، وأقرّ بأنه يُحمل على التكفير القول الذي لا يَحتمل الكفر في أي وجهٍ إذا كان يتعارض مع فهم من لا يمتلك من الثقافة إلا إفلاسها الذي لا يَحتمل العقل من أي جهة أتى.

وليس هذا العقل الذي قدم لنا الديراني خلاصته (في ردّه على تحقيق الزميل علي حسّون حول
-الحجامة بين العلم والدين- المنشور في الزميلة أبيض وأسود، العدد19) إلا مثالاًً ساطعاً على أن أحداً (أو أمراً) لم يستطع أن يودي بالمسلمين في مهاوي التخلف والتبعية اللتين تلفّاهم الآن، قدر ما أودوا، هم، أنفسهم فيه. لا لعلة فيهم أو في دينهم، بل لضيق أفق وضحالة بعض من رجال الدين الإسلامي، الذين يرون في كل محاولة فهم مختلف عما في أذهانهم، هجوماً على دينهم. هذا إذا كنا بريئين وأخرجنا المصالح الدنيوية البحتة من الاعتبار. بالأمس كان طه حسين، ثم نصر حامد أبو زيد، ومارسيل خليفة، وحيدر حيدر وقائمة طويلة أخرى، واليوم علي حسّون، وربما أي منا غداً، إذا شاء له قدره أن يختلف مع أحد (المفكرين الباحثين) الذين يعتقدون أنهم خلفاء الله على الأرض.
ليس هذا تهجماً على الباحث الديراني، وليس دفاعاً عن الزميل حسّون. بل رفضاً قاطعاً لنهج التكفير الذي اعتمده الديراني في ردّه المذكور، ناثراً التهم هنا  وهناك على مدى أربع صفحات كاملة من الزميلة أبيض وأسود. الردّ الذي له قيمة إيجابية بّينة هي أنه نُشرَ.
يفتتح الباحث ردّه بتقرير أن (الحجامة أصبحت حقيقة لا يطعن بها إلا ضالّ.. والمؤمنون يترفّعون عن الظنون المبنية على الحسد والحقد الأعمى)! وليس هذا إلا أول الغيث. إذ سرعان ما ينهال سيل التكفير واضحاً جلياً في قول الديراني (فهل يجب أن نخترق هذا الستار لنثبت أننا ملحدون منكرون وبالحق كافرون؟ سامح الله من قالها وردّه لإيمانه إذا تاب)!‍‍ بالتأكيد لم يقلها الزميل حسّون، لكن الاتهام أوضح من عين الشمس. مع سعة صدر الديراني الذي يدعو الله أن يسامحه.. إذا تاب! ثم (إنه لا أصل لهذا القول –أن الديراني ومن معه في موضوع الحجامة سيسارعون لتكفير كاتب التحقيق، كما توقع الزميل حسّون في مقدمة تحقيقه- بأننا نكفّر من يختلف معنا. ولكن من يختلف مع القرآن ومع الأحاديث النبوية الصحيحة فما هو اسمه؟) كافر طبعاً. ومن سيقرر إن كان هذا أو ذاك اختلف مع القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة أم لا؟ ليس الإمام محمد عبده (الجاهل) طبعاً، إنما الباحث والمفكر الديراني، الذي لو كان منسجماً مع مقولته هذه لما لطّف من لهجته وعدّلها حين وصل الحديث إلى رأي الدكتور البوطي، الشيخ الإسلامي المشهور والمجتهد المواظب، باتهام البوطي بأن قوله (كل ما أنبأنا به رسول الله (ص) من العلاجات وبحدود ما بلغنا من الطب النبويّ، يجب أن نضعه على الرأس والعين،ولكن بشرط أن نعود إلى أصحاب الاختصاص في كيفيّة استعماله، أي إثباته علمياً)، ليس إلا مكابرة بالمحسوس والملموس؟ لأن هذا –وفق منهج الديراني- اختلافاً بيناً مع الأحاديث النبوية الصحيحة، إذا كان ما يفهمه الديراني من الأحاديث هو وحده الفهم الحق كما هو واضح في كل كلمة في ردّه الذي لم يبنى بالتأكيد على الأصل الثاني للإسلام الذي بينه الإمام عبده بقوله: (اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا يُنظر إليهم على أنه إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما دلَّ عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله تعالى في علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل). وطبعاً لا ينسى الديراني أن يأسف: (وا أسفاه، أيعقل أن رجل دين كبير يشار إليه بالبنان، أن كلام رسول الله (ص) يشترط العودة به إلى أصحاب الاختصاص لإثباته، وهل أصحاب الاختصاص يا رجل الدين أصدق من رسولك الكريم؟) دون أن يخطر له التفكير بأن رجل الدين المشار إليه (الدكتور البوطي) إنما يشار له بالبنان لإعماله الفكر في دينه ودنياه، لا لتكفيره أحداً بلا وجه واحد يحتمل الكفر!
بعد قليل، لا يتباطأ الديراني في توجيه التهمة واضحة لا لبس فيها إذ يقول: (أمّا من يعرض كلام الرسول (ص) على العلم ليثبت خطأه أو صوابه، فهذا لا علاقة له بالدين ولا بالإيمان لا من قريب ولا من بعيد) وفي مكان آخر: (هل بعد هذا الإلحاد إلحاد!). لا، ذلك أن الإلحاد، في ثقافة الانغلاق المتحجر والعصبوي، هو تحديداً كل قول يختلف مع ما تقرره هذه الثقافة. وليس مهماً أن الحديث يدور الآن حول فهمين لحديث للرسول، إذ أن المنطق ذاته قادر في مناسبة أخرى على توليد تهمة الإلحاد من الاختلاف في أي رأي حول أية قضية يعيشها مسلم، فكرية كانت أو سياسية أو اقتصادية أو اعتقادية. حيث لم يخرج العالم بعد، من منظور هذه الثقافة، عما كان عليه قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام. ويمكن –كما حصل فعلاً- إعادة السيارة إلى الجمل، وإيجاد مرجعية لنكران لغزو الفضاء، وقولبة الكمبيوتر مع الحاسب الخشبي. وهذا المنطق الذي تمكن من عقولنا بدءاً من عصور الانحطاط، التي كانت عصور انحطاط فكري ودولاتي أولاً، هو الذي حرمنا من الاستفادة من انطلاق الحضارة في مركز آخر، كان يمكننا أن نلحق به، ولو متأخرين.
أودّ أخيراً أن أكمل الفقرة التي اقتبستها في البداية من (الإسلام بين العلم والمدنية) للإمام محمد عبده: (وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولاً لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟ إذا بلغ به الحمق هذا المبلغ كان الأجدر به أن يذوق حكم محكمة التفتيش البابوية ويؤخذ بيديه ورجليه فيلقى في النار).


بسام القاضي، جريدة النور(2003)

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS