كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
فساد طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

  

البارحة عرفت أنّ الحبقَ أيضاً (الحبقُ الذي كان وجوده على شبّاكٍ يهمس لشباب الضيعة أن خلف الشبّاك فتاة للخطبة)، يمكن أن يُرمى وهو في أوج زهوه وفوحه. أنّ العصافير يمكن أن تُهمَل خلف الزجاج المغطى بالثلج. أنّ القمر يمكن أن يعني الوجه البشع المجدور. وأنّ الروح تستسهل أن تكون أيّ شيء آخر عدا الروح.

 وتذكرتُ كم من الكذب ارتكبه أبي وأمي لكي لا يقولا لي كيف أتيت إلى هذا العالم.  وتركاني أعرف وحدي بأكثر الطرق بعداً عن المعرفة. وحين عرفتُ، اندهشتُ. ثم شعرتُ بالإهانة. ثم غضبتُ. ثم تعلّمتُ. تذكرتُ كم من النفاق أبدع أستاذ الديانة لعامين متتالين كي لا يجيب على سؤالي البسيط: لماذا يسمح الله -وهو الكليّ القدرة- بكل هذه المآسي على الأرض التي خلقها لنا لنخلفه فيها؟. وحين عرفتُ، ضحكتُ حتى طقّت خواصري. ثم بكيتُ.  تذكرتُ: كم من الرعب والتهديدات اختلق مدرب الفتوة (يقال إنه لم يعد هناك وظيفة بهذا الاسم! للأسف، هذا سيحرمني من اجترار الموضوع كلما أحسست بالفراغ) ليقنعني أن تنفيذ الأمر (استااااعِدْ.. استاااارِحْ..)  ثلاث مرات، وترداد ثلاث شعارات في الصباح الباكر وأنا أقف مشدوداً كعمود الكهرباء القديم المطلي بالقار سيجعل مني مواطناً صالحاً للانتماء للوطن. وحين فهمتُ طأطأتُ رأسي.
البارحةَ عرفتُ كم عمرنا البشري مليء بالأنانية، والكذب، والمراوغة، والخيانة، بلا مبرر ولا حاجة. عرفتُ أن حياتنا  القصيرة ليست سوى سلسلة من المؤامرات السخيفة، المسبوكة بغباء، لنغطي سلوكاً كان سيبدو بسيطاً وعادياً، حتى وإن كان مؤلماً، لو أنه قُدّم كما هو. سلسلة من الخيبات التي لم يقدّرها الله علينا، وسلسلة من الهزائم التي لم تسجّل في اللوح المحفوظ. عرفتُ كم تستغرقنا اللقمة وكأس الماء وقطعة الرداء، حتى تجرّنا وراءها كمسلولين خلف غولة ساحرة. عرفتُ أن الصدق عيبٌ على الإنسان. أنّ الدمع عيبٌ على الرجال. أنّ الحب عيبٌ على النساء.
والبارحة أيضاً، قالت الصبية التي فتحَتْ أبوابي دون استئذان، ودخلت بهدوءٍ وثقةٍ، ناثرةً في التراب الذي قلبتُه للتو بذورَ زهورٍ شرعت تنبت رغم قيظ الصيف المبكر، أنّ جدتها التي لم تكن تخاف شيئاً، أتقنت زرع خوفٍ مظلمٍ في خيالٍ بات يرى في كل تشابه مع الحكاية شريراً على شكل رجلٍ بأنفٍ معقوفٍ وعيونٍ حادةٍ يختبئ في انعطاف درج البناء، كما خلف باب المدرسة. ينتظر اللحظة المناسبة لينقضَّ خاطفاً، وقاتلاً. خوفٌ مضى يتغلغل في تفاصيل الحياة الطفلية المليئة بحكايات نحيكها كل لحظة حول كل أمر. حكايات بريئةٌ، مبالغ فيها، نبنيها بقوانين خاصة وأساليب خاصة لا تنطبق فيما بعد على الحياة التي لن تسألنا عن لحظة واحدة: كيف مضت، ولماذا.
وقالت الطفلة التي صارت صبية، إنها خرجت ذات مساءٍ، دون أن يلاحظها أحد ممن هم مسؤولون عن تربيتها وإنشائها وضمان سيرها على الصراط المستقيم (وهم لم يلاحظوا سابقاً خوفها المتنامي)، غطت رأسها بشرشف أبيض تركته ينسدل على جسمها الضئيل كله، وطرقَتْ باب الجارة التي ما إن رأت شبحاً أبيض ينبثق من خلف الباب، في الظلام الحالك، حتى جحظت عيناها رعباً. قبل أن تبدأ الجارة بالصراخ، ضحكت الصبية التي لم تستطع السنون الطويلة الماضية أن تكفَّ فيها طفولتها، كما لم تضحك من قبل. وكشفت نفسها بسرعة، واعتذرت، رامية خوفها خلف ظهرها مرة واحدة، إلى الأبد.
هكذا إذاً! لا الكذب ولا النفاق، لا الرعب ولا التهديدات، لا أجهزة الإعلام ولا أجهزة الرقابة، لا المنافي ولا السجون، ولا أي شيء آخر، يستطيع أن يمنع من يريد أن يرمي شبح خوفه وراء ظهره،من يريد أن يمزّق "واجبه" الأجوف في أن يكون ببغاء، من يريد أن يبدأ فوراً بالإحساس أنه إنسان، والعيش كإنسان. لا شيء أبداً، غير الموت، يمكنه أن يغلق فم إنسان (وعيونه وآذانه وأيديه وأرجله، وعقلَه) يريد أن يكون هو من يقرر حياته.
أما آن لنا، إذاً، أن نتوقف عن الشكوى؟ أما آن لنا أن نلغي من قواميسنا اليومية شتيمة هذا العالم المتخم بالفساد والرذيلة، بينما نحن نشارك فيه كشيطان أخرس؟ أما آن لنا أن نتوقف عن التفكير داخل أربعة جدرانٍ خوفاً من أن يسمعنا أحدٌ فـ(يضرّنا)؟ أما آن لنا أن نقول ما نعتقده حتى لو كلفنا ذلك بعض القلق في الليل أو في النهار؟
ليس هذا ترفاً. ليس حماسة صبيانية، أو مراهقة سياسية كما يحلو للكثيرين (العاقلين) أن يقولوا وهم يبتسمون (الابتسامة من طرف الشفاه دلالة على الحكمة!). إنه حقنا البسيط. لا، ليس واجبنا. بل حقنا. حقّ ضميرنا، حقّ إنسانيتنا. حقّ مستمد من حقيقة أن الفاسد يأكل لحمنا نحن، ويمتصّ دمنا نحن. لا لحم كائن آخر من المريخ أو دمه.
الفساد، ككل قذارة أخرى، يحتاج إلى من يرفع الصوت في وجهه، إلى من يقول: هذا هو الشيطان. إلى من يتوقف عن الاستجابة له، إلى من يواجهه. والفساد، ككل شيطان آخر، محكوم باستجابتنا له وقبولنا إياه. يعيش على خوفنا منه أكثر مما يعيش على قوته الحقيقية، مهما كانت مخالبه حادة، وأنيابه قاطعة.

*- جريدة "النور"- العدد (108)-  2003


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS