كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
الرئيسية
فشل التنمية الاقتصادية.. هل يتحمل التزايد السكاني المسؤولية كلها؟ طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

في الندوة التي عقدتها أمانة مكتب الثقافة والإعلام في اتحاد عمال دمشق بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات العمال في سورية، تحت عنوان دور المرأة والتربية السكانية في التنمية الاقتصادية، ونشرت (النور) تقريراً عنها في العدد 148، ركزت السيدة رغداء الأحمد، نائبة رئيسة الاتحاد العام النسائي ومديرة مكتب الثقافة والنشر فيه، على دور نسبة التزايد السكاني العالية في سورية في امتصاص إمكانات التنمية. وخلصت السيدة الأحمد إلى أننا لن نرى نتائج إيجابية للتنمية ما دام هناك 432 ألف طفل جديد كل عام يجعلون من التنمية مراوحة في المكان.

لم يعد هناك من يختلف مع أهمية تخفيض نسبة التزايد السكاني العالية في سورية. ربما باستثناء بعض الفئات التي ما زالت تعتقد أن الطفل يولد ويولد معه رزقه! وهي فئات تقل يوماً إثر يوم، نتيجة موضوعية لتغير معطيات الواقع المعاشي المتردي. إلا أن الحديث عن التزايد السكاني في سورية عموماً، وعدم التمييز بين الطبقات والفئات المختلفة في البلد، يخفي وراءه نزعة تعميمية تهرب من أحد أهم أسباب فشل البرامج الضعيفة أصلاً في التوعية حول أهمية تحديد النسل، وهو أيضاً سبب مهم في فشل التنمية.
لو نظرنا نظرة سريعة إلى نسبة التزايد السكاني في المجتمع السوري تأخذ في الحسبان حقيقة أنه مجتمع مقسوم طبقياً بحدة تبدو متزايدة في العقود الأخيرة، لظهر لنا بوضوح أن هناك تغيرات مهمة على صعيد تحديد النسل في بعض أقسام هذا المجتمع. بينما ما تزال أقسام أخرى تسلك السلوك القديم ذاته في إنجاب مزيد من الأطفال.
وإذا كان للاختلاف الجغرافي والحضاري، خاصة بين المدينة والريف، بما يحمله من اختلاف في العادات والتقاليد والنظرة الاجتماعية للأسرة الكبيرة، دوراً مهماً في هذا الأمر، إلا أن التقسيم الأفقي الذي يعتمد دخل الأسرة وطبيعة عملها مقياساً له يؤكد أن التقدم الأهم على صعيد تحديد النسل يقع في تلك الفئات التي تستحوذ على النسبة الأكبر من الثروة العامة. ففي المدن، كما في الريف، بات الملاحظ بوضوح هو أن الأسر الفقيرة هي الأسر الأكثر إنجاباً. بينما تتجه الأسر الغنية إلى مزيد من تحديد النسل.
قد تبدو مفارقة أن الأسر الغنية التي تستطيع تقديم ما يكفي لأبنائها بغض النظر عن عددهم هي التي تتجه إلى تحديد النسل. بينما تحافظ الأسر الفقيرة التي تكاد لا تستطيع تأمين أودها على إنجاب عدد كبير من الأولاد. لكن الأسر الغنية هي التي تستطيع أن تدفع تكاليف تعليم عال لا يهدف مباشرة إلى تأمين لقمة العيش الأساسية، بكل ما يترتب على ذلك من انفتاح عقلي وقيمي لم يعد فيه للعدد الكبير لأفراد الأسرة الواحدة أي قيمة خاصة. وهو ما سيؤدي إلى انحصار التعليم العالي يوماً إثر يوم في الطبقة العليا من المجتمع. وهي الطبقة الحريصة أصلاً على إبقاء سيادتها الاقتصادية والفكرية والعلمية. وتستطيع هذه الأسر دفع تكاليف الاستشفاء والمعالجة مهما بلغت، بحيث تؤمن بذلك درجة عالية من الأمان البيولوجي يخرجها من قلق متواصل حول استمرارية الأسرة. وبالتالي يحررها من خطر انتهاء الأسرة نتيجة وفاة أو مرض شديد أو فشل في إنجاب الذكور أو ما إلى ذلك. بينما على العكس من ذلك، تعاني الأسر الفقيرة من انغلاق متواصل في التفكير. فالتعليم العالي بعيد المنال نسبياً، وهو يزداد صعوبة الآن مع اتجاه التعليم العالي إلى الخصخصة بأسماء مختلفة. ولم تغير كثيراً في هذا الأمر سياسة الاستيعاب الجامعي الشهيرة.
صحيح أن أعداداً كبيرة من أبناء الفقراء تمكنت من الحصول على درجات جامعية مختلفة، إلا أن ذلك بقي مرهوناً بالحصول على لقمة العيش. وهو ما أعطاه صفات تشبه تعلم مهنة ما. مما أدى، إضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالعملية التعليمة ذاتها، إلى ضعف دور هذا التعليم في تغيير البنية الفكرية والقيمية للحاصلين عليه. كذلك فإن نسبة التسرب العالية من المدارس التي تفوق كثيراً ما يُعترف به رسمياً، تكاد تكون شبه محصورة في الفئات الفقيرة التي تضطر إلى فعل ذلك تحت ضغط حاجاتها الاقتصادية اليومية. كما أن اضطرار هذه الفئات إلى الانخراط في الأعمال الوظيفية الدنيا دون توفر إمكانية جدية تعتمد الكفاءات لانتقالها إلى مستويات أفضل يساهم أيضاً في انغلاقها أمام المعطيات الجديدة. ونتيجة لهذا الوقع تعاني هذه الفئات قلقاً مزمناً من إمكان استمراريتها. إذ تشكل الأخطار المترتبة على عملها أخطاراً حقيقية على الحياة. كما تشكل الأمراض المختلفة خطراً بذات القدر من الأهمية نتيجة للغلاء المتواصل في تكاليف الاستشفاء. قلقٌ لا تجد طريقة لمواجهته سوى إنجاب المزيد من الأبناء. بحيث يشكل العدد الكبير ضمانة للاستمرارية مهما قست ظروف الحياة.
يبدو هذا التفكير أقرب إلى التأملات المفارِقة للواقع في بدايات القرن الحادي والعشرين. إلا أن الجواب الأكثر انتشاراً للسؤال المستغرِب للعدد الكبير من الأطفال يعبر بوضوح عن هذا القلق: ماذا نفعل إذا مات هذا الولد أو ذاك؟ ألا يجب أن يكون هناك بديل له يحمل اسم الأسرة؟ بل إن هذا الجواب منتشر بكثرة حتى في أوساط الفئات الوسطى (أطباء، صيادلة، مهندسون، موظفون بدرجات متوسطة..).
هذا الواقع يشير إلى استنتاجات تجعل من تأكيد السيدة الأحمد، نائبة رئيسة الاتحاد العام النسائي، إرجاع فشل التنمية إلى التزايد السكاني، تأكيداً للدوران في حلقة مفرغة. إذ كيف يمكن إقناع، بل حتى إجبار الأسر الفقيرة التي تعاني هذا القلق الوجودي على وضع استمراريتها قيد خطر واقعي؟ إن المقارنة هنا مع نجاح البلدان الغربية في الحد من النسل، أو الانتقال إلى التزايد السلبي، هي مقارنة خاطئة أساساً. فالعاطل عن العمل في تلك البلدان يتمتع بتغطية اقتصادية تفوق ما يتمتع به الفلاح العادي والموظف العادي في سورية. هذا الأمر يدفع للقول إن برامج التوعية السكانية، وتشريع القوانين المتعلقة بالحد من النسل، ستلاقي الفشل الذي لاقته حتى الآن، ما لم يتغير الواقع الاقتصادي لهذه الفئات التي تقدم الزيادة الأهم في عدد السكان.أي أن تحسين فرص العمل والدخل، والخدمات الاجتماعية خاصة الطبية، تحسيناً ملموساً هو شرط أولي لازمٌ وغير كافٍ لتحقيق توازن مناسب في التزايد السكاني، لا العكس كما أشارت السيدة الأحمد.
أخيراً، يؤكد تفاقم التمايز الطبقي في سورية اليوم أن إمكانات هذا البلد ليست بالشح والضعف الذي يشار إليه ويُستند عليه. وأن فشل التنمية الاقتصادية في تحقيق نمو مجتمعي عام يرجع إلى أن هذه التنمية تصب مخارجها في جيوب البعض دون الغالبية من سواد الناس. وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن يقال لنا: من أين تراكمت هذه الثروات الطائلة التي يعرف الجميع أسماء أصحابها وكيفية حصولهم عليها خلال العقود الأخيرة؟


بسام القاضي، (فشل التنمية الاقتصادية.. هل يتحمل التزايد السكاني المسؤولية كلها؟)، (النور، العددد 151، تاريخ 15/5/2004)

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS