كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
الرئيسية
/15/م2 فقط لعشرة مواطنين كاملي المواطنة.. فـن الـعـيــش في الأمـاكــن الضـيــقـة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ذات صباح، حين ألقوا نظراتهم الأخيرة على بلداتهم وقراهم البعيدة، لم يتكلفوا عناء صرّ أمتعتهم، لأنهم جاءوا هكذا، (بهز أيديهم). جاؤوا من قرى لم تعد تكفي الأفواه المتكاثرة، وبلدات زفتت الدولة طرقاتها وأنارتها الكهرباء، لكنها نسيت أن سكانها بحاجة لعمل يقبضون منه أ جراً ليأكلوا. جاؤوا باحثين عن عمل، متطوعين في الجيش، أو عمال تراحيل. استأجر كل منهم غرفة واحدة صغيرة في (حوش) يضم العديد من الغرف، غرفة بلا حمام، بلا مطبخ، وبمرحاض مشترك، على أمل واسع أن الضيق سينفرج، وستتحسن الأحوال، وسيستطيعون الانتقال إلى بيت واسع وصحي. لكن السفن المثقوبة أصلاً تغرق، وليست فقط تعاند أهواء البحار.

لا أحد يعرف عددهم على وجه الدقة، فالكثيرون منهم لا يستأجرون عبر العقود السياحية السيئة الصيت. لكن يمكن لكل منا أن يقدر العدد بوجه قريب من الدقة إذا ألقى نظرة سريعة إلى القرى التي أمست شبه فارغة رغم نسبة التوالد الكبيرة في سورية، أو إذا قام بجولة سريعة في هذه المناطق.
(جئت وحدي إلى دمشق في 1985، لدينا قطعة أرض صغيرة  في بلدتي ونحن سبعة إخوة،       استأجرت هذه الغرفة، عملت هنا في كل شيء، من بيع الدخان والإلكترونيات المهربة إلى الباطون. وحين تزوجت في 1987 لم يكن عندي غير حصير وفراش إسفنج وعدة بسيطة للمطبخ. رضيت زوجتي بالعيش معي هنا على أمل أن يتحسن وضعنا، لكن كما ترى صاروا خمسة أولاد، ومع كل ولد تزداد المصاريف، ونعجز أكثر عن تغيير البيت، هذا المطبخ الصغير (2  / 3 م) هو مشترك لثلاث عائلات، أما المرحاض فواحد للغرف الخمسة).
في هذه الغرفة الصغيرة (3 / 5م) تتكدس خزانة حديدية في إحدى الزوايا، يلاصقها مكان خاص لوضع الفرش المصنوعة من الخرق أو الإسفنج الرقيق، وفي الزاوية طاولة قديمة صغيرة عليها تلفزيون صغير، وقطع زينة مصنوعة يدوياً، تليها مجموعة من المساند القشية ترتكز على الجدار المدهون بالكلس، وفي الفراغ الصغير الباقي من الغرفة، هناك حصير  فوقه بطانية عسكرية قديمة. في هذا الفراغ ينام أبو علي وأم علي وعلي وأحمد وسميرة وحنان وريما. ويدرس علي وأحمد وسميرة، وتلعب حنان وريما، ويتسامر الضيوف، ويشربون الشاي، ... وماذا أيضاً؟.يقول أبو علي بحسرة شديدة: (بعض رفاقي استطاعوا أن يعمروا -مخالفات- في عش الورور أو في جبل الصفصافة. صحيح أنها غرفة واحدة ومنافعها، لكنه (بيتهم) على الأقل).
 في (الحوش) ذاته هناك أربع غرف أخرى تقطنها عائلتان، ومجموعة من الشباب الذين قدموا حديثاً يعتقدون أن أبا علي ومن مثله(ما بيعرفوا يعيشو). وهم متأكدون أنهم سيستطيعون تدبير أنفسهم بسرعة لأن (الشام غير شكل)!!.
هناك، في مكان آخر، حيث يجب السير لأكثر من ربع ساعة صعوداً على درب ترابية، مقترباً أكثر من السماء، وقريباً جداً من برج الإذاعة والتلفزيون، مكان آخر مدهش. فتحت سقف واحد لا يرتفع عن الأرض أكثر من 210 سم، تتوزع 7 غرف بطريقة يعجز عنها الفن المعماري الذي أنجز الجامع الأموي، كما الفن المعماري الذي أنجز قصر المؤتمرات. سبع غرف تسكنها سبع عائلات بالتمام والكمال. ومن النساء السبع القاطنات في هذا (القصر) هناك اثنتان منهن لم ينزلن إلى (الشام) منذ أكثر من سنة: (مصيبة أن تفكر بالنزول، فالصعود إلى هنا مشقة لا نقدر عليها، إلا إذا استأجرنا سوزوكي إلى أقرب نقطة تصلها، والسوزوكي يأخذ 25 ليرة على المشوار). يقوم الأزواج الطيبون بجلب كل ما يحتاجه البيت، وهو ليس (حملاً) على كل حال. لا أحد يفكر في حل آخر الآن: (أي حلّ؟ نحن هكذا يا دوب نعيش. وطبعاً لا أستطيع العودة إلى قريتي، فلا بيت لي هناك ولا عمل، وبيت أهلي يا دوب يتسع للذين فيه). هنا لا يختلف شيء في (الديكور) الداخلي للغرفة، فرش الإسفنج والحصير والمساند على الجدار. لكن على عكس كل ما شاهدته، تتفق العائلات السبع على طريقة تعاملها مع هذا المكان، ففسحة الدار المسقوفة نظيفة ومرتبة وفيها (مَدّة) عربية يعدها الجميع (صالونهم) المشترك. يوم محدد في الأسبوع لكل عائلة لاستخدام المرحاض (الكبير نسبياً)  حماماً، وهناك بعض الأشياء الأساسية المشتركة في المطبخ، ولا مشاكل بين الجيران، مع أن كل عائلة من بلدة مختلفة: (الحمد لله، الله وفقنا ببعض) يقول أبو خالد (لا أعرف أيهما أهم، أحياناً أفكر أن أقلل المصروف لأجمع قرشين أعمر بهما كالآخرين، لكن قلبي لا يطاوعني أن أحرم أولادي من أساسيات الطعام). يضيف أبو أحمد بابتسامة كبيرة (لو شفتني أول ما إجيت ع الشام، كان أبو زيد خالي. هلق ولا بيتعرف علي).
 بعيداً عن علم النفس أو علم الاجتماع، هنا وهناك وفي كل الأماكن تقريباً، يشترك الجميع ببعض القواسم المميزة. على أحد جدران كل بيت سجادة زينة قديمة، تصور نفس المشاهد، إما مكة الشريفة، وإما غزلان تنهل من بحيرة صغيرة. وغالباً ما تجد صورة قديمة بالأسود والأبيض للأب الغائب، وأيضاً الكل يجمع على أن الصفة الأهم في الإنسان هي الكرم!.
في مكان ثالث، حيث تبدو الأمور من الخارج جيدة ولا توحي أبداً بما خلف الأبواب، في (دف الشوك)، هناك واقع مشابه. ما إن عبرت البوابة الحديدية الخارجية المزخرفة والمدهونة بأكثر من لون، حتى انفتحت أمامي فسحة سماوية كبيرة ملأى بالأوساخ والأتربة وغابة من الأحذية أمام كل باب، وفي (الصدر) تراصفت خمسة أبواب خشبية مهترئة ليس بينها باب واحد غير مخلع، ولا باب واحد يستر ما خلفه تماماً، وعلى كل باب آثار مجموعة من الأقفال السابقة المخلوعة (الرزات)، ورزة أخرى جديدة، مع قفل (جوزة) يصلح قفل دكان. خلف واحد من  هذه الأبواب الخمسة غرفة لا تتجاوز مساحتها 12 م2 يقطن فيها...... كم مواطن يقطن فيها؟ عشرة بالتمام والكمال!! الغرفة بكاملها ممدودة بالبطانيات المهترئة كالنظارة تماماً، وعلى الجدران توزعت مسامير كثيرة لتعليق الثياب، وعلى رف حجري في الزاوية يقبع سخان كهربائي للطبخ، وإبريق شاي أسود ومطعوج، وبعض الصحون وبعض الكؤوس والملاعق، ولا شيء آخر سوى صورة كبيرة لامرأة تبرز مفاتنها!. (نحن جميعنا من قرية واحدة، اثنان منا يعملان في الليل، والباقون نقف يومياً في باب الجابية، أو على مفرق المزة، نحمل (الكريك) وننتظر من يريد عامل حفريات أو باطون، أو من يريد عاملاً لنقل أغراض بيته، نعمل يوماً ونتعطل عشرة، ندفع 1300 ليرة أيجار هذا القن، وجميعنا نرسل شيئاً مما نقبضه لأهالينا في القرية، ماذا نفعل؟ والله العظيم لم أذق اللحم منذ أكثر من شهرين). لأسامة من العمر عشرين عاماً، لكن لا يخطر في بال من يرى شكله أنه تحت الثلاثين، يقاطع قريبه قائلاً (يا أخي بلا لحم، بس نشبع الأكل). لكل من الشباب بنطال وقميص وحذاء جدد (من البالة طبعاً) مخصصة لزيارة الأهل (لا يجوز أن يعرفوا كيف نعيش، تكفيهم همومهم حتى يحملوا همومنا أيضاً).
للصبايا والشباب، طالبات الجامعة وطلابها، نصيبهم من هذه الحياة. ففي غرفة لا تختلف شيئاً عن سابقاتها تقطن خمس طالبات جامعة أتين من محافظات أخرى، بعضهن لم يسعفها الحظ (أو الواسطة) في تأمين مكان في المدينة الجامعية، وأخريات وجدن أن السكن هنا (أريح) من السكن في المدينة، حيث ينمن في أسرّة عسكرية مؤلفة من طابقين. والمطبخ الصغير غير المجهز بأكثر من صنبور ماء ومجلى قذر، مخصص لأكثر من خمسة وعشرين طالبة!
مكان رابع... وخامس... وسادس... لكن ما الفرق؟ هناك في بستان الدور، أو في الحجر الأسود أو في المزة جبل، في الجبال بين دمشق وقدسيا، في حجيرة وعسالي والست زينب، في كل مكان واقع مماثل، يختلف قليلاً في هذا التفصيل أو ذاك، لكنهم يعيشون جميعاً نفس الظروف، نفس الازدحام، نفس الفقر، وعاجزون عن فعل أي شيء. ما الذي يفعله العاطل عن العمل ( أو الموظف أو العامل أو العسكري ...) الذي لا يتجاوز راتبه 4000 ليرة سورية تعيله هو وزوجته وأربعة أطفال؟!.
  في الحقيقة لا يفعلون شيئاً سوى الاستمرار في (حياتهم) هذه، خائفين من (بكرة)، يحلمون بالعودة يوماً ما إلى القرية الهادئة والواسعة والمعطاءة، تلك التي لم تعد موجودة إلا في أحلامهم. ويحلمون أيضاً بالجائزة الكبرى في اليانصيب الذي لا يشترون بطاقاته، تلك الجائزة التي لا تذهب إلا لمن لا يحتاجها. ويحلمون أكثر - ربما هو الحلم الوحيد الذي يدغدغ الروح حقاً - بأن يستطيع أولادهم أن يشقوا حياتهم بطريقة مختلفة ويعيشوا ( متل الناس).


بسام القاضي، (/15/م2 فقط لعشرة مواطنين كاملي المواطنة.. فـن الـعـيــش في الأمـاكــن الضـيــقـة)، النور، 151

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS