كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!
إحصائيات
القراء حتى الآن: 64703
الرئيسية
|
الجمعيات: مصارف حديثة مرتجلة بدون فوائد، بدون شروط، وبالتزام أخلاقي كامل |
|
|
|
بسام القاضي
|
هل فكرت أن تقترض من المصرف العقاري لتشتري منزلاً يؤويك أنت وأولادك؟ أو أن تقترض من مصرف التسليف الشعبي لتسدد تكاليف عملية جراحية احتاجها أحد أفراد أسرتك؟ هل احتجت إلى المصرف الزراعي لشراء أسمدة أو حبوب، أو لتدفع للمهندس المشرف على أرضك؟ أو هل قررت أن تقوم بعمل خاص يساعدك على مواجهة متطلبات الحياة، ويحتاج إلى رأسمال قليل؟
ربما صادف أن احتجت إليها معاً. لكن تتحول حاجتك هذه في كثير من الحالات إلى مجرد أمنيات غير قابلة للتحقيق. إذ إن شروط الاقتراض من المصارف تكاد تكون شروطاً تعجيزية. فلأجل شراء منزل تحتاج إلى أن تكون مالكاً أصلاً لعقار ترهنه لدى المصرف. وتحتاج إلى كفيلين (أو أكثر) يغطي راتبهما الوظيفي قيم القسط الواجب تسديده شهرياً. وتحتاج إلى كمية من التواقيع والمراجعات تدفعك إلى التفكير ملياً قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة. ولأن الحياة تتطور عموماً بأسرع مما تتطور القوانين في البلدان التي تتطور فيها القوانين باستمرار، وتجد حلولها الخاصة لمشاكلها المباشرة بعيداً عن بيروقراطية المؤسسات وجمودها في البلدان التي تحتاج إلى زلازل وبراكين لتبدأ التفكير في تغيير قوانينها التي تتحول إلى قوانين حماية للمستفيدين منها، فقد وجد ناس بلدنا طريقة أقل بيروقراطية وجموداً من طريقة الدولة، وأكثر فاعلية وجدوى اقتصادية، ودون تكلفة إضافية، ومرنة إلى درجة أنها لا تهتم إطلاقاً بأسباب حاجتك للنقود، ولا تشترط عليك سوى الالتزام الأخلاقي نحو المجموعة (النقدية) التي تنضم إليها. هذه هي ما اصطلح على تسميتها شعبياً بالـ (الجمعية). وحين يسأل أحدهم هل أنت منضم إلى جمعية ما؟ يفهم الآخر مباشرة أن المقصود جمعية مالية (لا جمعية سياسية لا سمح الله). ونظرة واحدة إلى مساحة الوطن تبرز الحجم الكبير الذي انتشرت فيه هذه المؤسسة المدنية (بغض النظر عن الاتهامات الملصقة بهذه الكلمة) على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية. ففي أوساط الموظفين يكاد لا يوجد موظف غير مشارك في جمعية أو أكثر. تختلف قيمة المبلغ الشهري الواجب تسديده شهرياً حسب كل جمعية. فهو يتراوح بين الألف والخمسة آلاف ليرة شهرياً. يتم اختيار العضو الذي سيستفيد من هذا المبلغ كل شهر على حدة وفق القرعة، أو بالاتفاق الودي على من يحتاجها أكثر في هذا التوقيت أو ذاك.مصارف بلا فوائد السيدة أسيمة مهندسة زراعية، وزوجها كذلك، مشاركة هي وزوجها في أكثر من جمعية، إحداها بمبلغ 5000 ل.س شهرياً. احتاجا مرة مبلغاً كبيراً قياساً بمدخولهما، وذلك لتسديد أجور عملية جراحية لأحد الأقارب المباشرين غير الموظفين لدى الدولة. ولأنه لا توجد طريقة للاقتراض من المصرف، شاركا في هذه الجمعية التي كانت حلاً عملياً وسريعاً. وفي مرة أخرى احتاجا إلى المبلغ لتسديد قرض كانا اقترضاه من المصرف الزراعي وأرهقهما بفوائده، والخوف من إمكانية تأخر التسديد بما يترتب على ذلك من فوائد وغرامات. تؤكد السيدة أسيمة أنها امتنعت هي وزوجها عن التعامل مع أي مصرف. فـ (الشرشحة) التي تعانيها في تأمين كفلاء، وفي متابعة الأوراق والتواقيع والأختام التي لا تنتهي، تشعرها بالذل. كما أن كل قرض من أيّ من المصارف يشترط سبباً (وجيهاً) لمنح القرض،( لنفترض أنني أريد شراء ثيابٍ لأولادي، ماذا يعنيهم من الأمر ما داموا يأخذون الفوائد؟. تقول السيدة أسيمة). لكن هذا الافتراض ليس خيالياً. إذا كانت السيدة أسيمة تستطيع مع زوجها الموظف أيضاً أن تشتري ثياباُ لأولادها بين الفترة والأخرى دون الاقتراض، فهناك من لا يستطيع ذلك. أبو عمر موظف في معمل تابع للقطاع العام، راتبه الشهري 4750 ل.س، وزوجته ربة منزل. شارك في جمعية مؤلفة من 12 عضواً بقسط شهري يبلغ 1000 ليرة. يقول أبو عمر: هذه الـ 1000 ليرة تسبب لنا ضيقاً شديداً في الحياة اليومية، إذ ماذا يفعل راتبي كله وسط غلاء المعيشة الفاحش هذا؟ لكن هذه الطريقة هي الوحيدة التي تسمح لي بشراء ثياب جديدة مرة واحدة في السنة لي ولزوجتي ولأولادي. وأحياناُ نشتري قطعة صغيرة ما للمنزل. السيد بركات (تاجر) ألبسة خارج على القانون. فهو لا يمتلك محلاً ولا ترخيصاً، بل يقوم بشراء الألبسة من معاملها بالجملة، وأحياناً يهربها من البلدان المجاورة، ويقوم بتوزيعها على محلات بيع المفرق بأسعار مناسبة تدر عليه شيئاً من الربح. وهو معلق بحالة السوق. ينشط الطلب على بضاعته في الفترة التي تسبق الأعياد، ثم يتراجع فترة الأعياد وما يليها. وبالتالي يحتاج إلى مبلغ من المال في الفترة التي تسبق الأعياد كل عام، ولأنه لا يستطيع الحصول على أي شكل من أشكال القروض يلجأ للجمعيات، ويتفق مع الآخرين على وقت محدد لدوره يتناسب مع حاجته تلك.الأجور مرة أخرى تنبع الحاجة إلى القرض من اعتبارين رئيسين. الأول أن الأجور متدنية إلى درجة لا يمكن الاعتماد عليها لأكثر من تغطية الحاجات الأساسية في الحفاظ على البقاء. والثاني أنه من الصعب أن نرفع مبلغاً من المال شهرياً ونراكمه حتى يبلغ حجماُ مناسباً، بسبب الحاجة اليومية التي تضغط مباشرة في حال كان المبلغ في متناول اليد. وهذا يعني أننا نحتاج إلى القرض ليس لأجل منشأة صناعية، أو شراء منزل، أو بناء منحلة أو بيت بلاستيكي، وحسب. بل نحتاجه أيضاً لشراء الكراسي والمدفأة والمازوت والألبسة والبراد والعلاج... .لذلك نحتاج أيضاً إلى طريقة تسمح لنا بتأمين مبالغ صغيرة نسبياً بين الفترة والأخرى لتغطية الحاجات الصغيرة. لكن أغلب المصارف -كما قلنا سابقاً- لا تمنح القروض إلا لأهداف محددة يقبلها المصرف المختص. وفي كثير من الأحيان تطلب وثائق تثبت استخدامه للغاية المذكورة. من هنا بدأت فكرة الجمعيات المالية هذه بالتوسع والتنوع حتى أخذت أشكالاً مبتكرة. هل سمعتم بجمعيات الـ 5 ليرات يومياً؟ نعم خمس ليرات يومياً لا غير. يعني في الشهر 150 ليرة لا غير! (مع ذلك -تؤكد أم عمار- هذا المبلغ الصغير الذي أدفعه يومياً لا أشعر به أبداً. بينما تشكل الـ 1800 ليرة التي أحصل عليها مرة في السنة مبلغاً يسمح لي بشراء غرض ما). الأستاذ محمد (مدرس ابتدائي) يشرح المعادلة على النحو التالي: إذا كانت منحة السيد الرئيس التي لم تتجاوز في بعض الحالات الـ 2000 ليرة سورية، أدت إلى ابتسامة حقيقية على شفاهنا، وحركت السوق باعتراف كل الفعاليات الاقتصادية في السوق، من البقال إلى اللحام إلى بائع الألبسة... فهذا يعني أن المبلغ الصغير الذي أدفعه يومياً وأقبضه مرة في السنة يشكل داعماً فعلياً لدخلي. ويعلق مازحاً: أخشى أن تتبنى الحكومة هذه السياسة وتقوم باقتطاع مبلغ من رواتبنا لتمنحنا إياه مجمعاً في آخر السنة بعد اقتطاع كمية منه كضرائب وبدل أتعاب ادخار وما إلى ذلك!.ثقة متبادلة ما الذي يضمن أن لا تأخذ المبلغ الكامل في دورك، ثم تدير ظهرك وتمضي دون أن تسدد ما تبقى عليك من التزامات؟ يبدو هذا السؤال شرعياً في ظل شكاوى مدراء المصارف التي لا تنتهي عن الكميات الهائلة من القروض التي لا تسدد أو يجري التأخر الكبير في تسديدها. لكن واقع هذه الجمعيات يظهر الاختلاف البيّن بين تعامل الناس بعضهم مع بعض وتعاملهم مع الحكومة. لم أسمع عن حادثة واحدة من بين أكثر من ثلاثين جمعية اطلعت على طريقة تعاملها (بعضها يصل المبلغ الإجمالي إلى مئة وخمسين ألفاً)، تشير إلى عملية غش أو تهرب من الدفع أو حتى تأخر في الدفع يتجاوز الثلاثة أيام، إلا في حالات استثنائية يتفهم الجميع ظروفها دون أن يقوم المتأخر بأي سلوك يشير إلى عدم تحمله المسؤولية الناتجة عن ظرفه الطارئ. لا يحتاج الأمر حتى إلى كلمة شرف. يكفي أن توافق على الانضمام حتى تكون (الإجراءات) منتهية. ليس شرطاً أن يكون أعضاء الجمعية يعرفون بعضهم بعضاً. إذ يكفي أن يكون أحدهم على معرفة بك حتى يمكنك الاشتراك. يعني أن الثقة من جهة، والالتزام من جهة أخرى، يكادان يكونان كاملين. لكن هل يطبق هؤلاء الأشخاص ذاتهم هذه الأخلاقية العالية في تعاملهم مع القروض التي يحصلون عليها من أحد المصارف؟ تقول الآنسة لمى: لولا أن من كفلوني سيضطرون للتسديد بدلاً مني وفق شروط الكفلاء، لتوقفت عن الدفع فعلاً. الأمر هنا ليس كالجمعيات. ففي الجمعيات الناس كلهم (شقيانون). أما نقود المصرف فأشعر أنها نقودي التي أخذوها مني ضرائب أكثر من عدد شعر رأسي، وأضافوا عليها فوائد وشروطاً صعبة. يبدو أن هذا الرأي شائع إلى درجة كبيرة. حتى إن شخصاً واحداً من أصل عشرين شخصاً رأى أن التزامه هنا لا يختلف عن التزامه هناك، وأن هذا يتعلق بطبيعته الشخصية، وأن الآخرين محقون في رأيهم.الحياة لا تنتظر من قال إن الناس لا يستطيعون تصريف أمورهم بدون الحكومة؟ من الواضح أن الحياة لا تنتظر أحداً. وطبعاً الحكومة والقوانين من هؤلاء الذين لا تنتظرهم الحياة. وتتقدم بعيداً عنهم وبدونهم حين لا يستطيعون أن يواكبوها. ربما بصعوبة، وأحياناً بكثير من الاخفاقات، لكنها تناسب حاجاتهم المتجددة على الدوام. بسام القاضي، (الجمعيات: مصارف حديثة مرتجلة بدون فوائد، بدون شروط، وبالتزام أخلاقي كامل، المصارف الحكومية: هل تواكب الأشكال الجديدة المبتكرة؟)، النور
|