الرئيسيةمقالات.. عمل لاإنساني . . . من دون أي ضمانات: نادلات في ليل الفنادق
عمل لاإنساني . . . من دون أي ضمانات: نادلات في ليل الفنادق
بسام القاضي
( هكذا، بكل هذا الصمت، أخرج بعد منتصف الليل من الشيراتون، لأعود وحيدة). هذا ما كتبته على دفتر مذكراتها إحدى العاملات في ليل الفنادق والمطاعم، ذلك الليل الشاق الطويل والمهين. إنهن نادلات الحفلات الخاصة، مياومات، يعملن فقط حين تقام حفلة، خطبة، أو عرس. أمهات لأطفال يمضون لياليهم دون حكاية، خريجات جامعيات لم تفدهن شهادتهن في الحصول على عمل معقول، موظفات لا يكفي راتبهن مع راتب أزواجهن ليلبين مطالب الحياة في أوائل القرن الحادي والعشرين. نساء دلهن البحث الشاق عن عمل ما، أي عمل يقيهن غول الحاجة، طبعاً ليست مكاتب البطالة الشهيرة التي دلتهن على هذا العمل الخفي.
لا يرتبط هذا العمل بأي شروط، سوى أن تكون المرأة في عمر مناسب، بين السادسة عشرة والخامسة والثلاثين،مع بعض التجاوزات، وألا تكون بشعة. هذا مبدئياً، لكن في الحقيقة هناك الكثير من الشروط غير المعلنة خلف هذه البساطة، إذ يجب أن تكون قادرة على الابتسام الدائم، صامتة بالمطلق، تحني رأسها للزبائن بخضوع ظاهر، وتقبل ارتداء اللباس الخاص (تنورة قصيرة بالطبع، تقول السيدة س: أنا أرتدي تنورة في حياتي اليومية، لكن حين أجبرت على ارتداء تنورتهم، ضيقة ولفوق الركبة، شعرت أنني أستعرض جسدي أمامهم ). والأهم من كل ذلك أن تقبل ما يعطى لها في آخر يوم العمل دون نقاش، ولا تفكر أبداً بضمان من أي نوع. عمل مياوم تقبض أجرك في أخر يوم العمل، في الثالثة أو الرابعة صباحاً، شبه موسمي. على مدار السنة هناك أيام محددة يكثر فيها (الطلب): الخميس والسبت والأحد، هذه أيام الأعراس التقليدية في بلادنا. إضافة إلى احتفالات أعياد الميلاد والمناسبات الخاصة المختلفة. يقل كثيراً في الشتاء، ويزداد في الصيف ويصل إلى ذروته في أواخر الصيف، في ما اصطلح على تسميته (عز الموسم). الطلب يومي، ففي كل حفلة هناك عدد محدد مطلوب للخدمة (حسب حجم الحفلة ومركز صاحبها واتساع جيبه وكرمه)، ومحظوظة تلك التي تنال الرضا ويتم إدراج اسمها في كل حفلة. يبدأ يوم العمل في نحو السابعة مساءً، تدخل العاملة إلى مكتب خاص فتسلم هويتها وحقيبتها. هذا إجراء أمني (ضروري)، فلربما قامت بعمل لا ترضى عنه الإدارة، أو نسيت من تكون، أو أغضبت أحد الزبائن لسبب ما، عندها لا تستطيع المغادرة دون معرفة المسؤول عن المكتب الخاص وموافقته. وببساطة تكون مجبرة على قبول الإهانة والعقوبة والحسم. بعد ذلك يرتدي الجميع الزي الخاص الموحد (لكل فندق أو مطعم زيه الخاص)، ويبدأن في ترتيب الطاولات بـ (لمستهن الأنثوية)، ثم يبدأ تدفق الزائرات (عموماً تخدم العاملات في الأقسام الخاصة بالنساء في الحفلات التي تقسم إلى شطرين: مكان للرجال وآخر للنساء). يجب استقبال (الضيفة) من باب القاعة والترحيب بها، ثم دلها على طاولتها الخاصة، ثم سحب الكرسي لتجلس، ولابأس بحركة (لطيفة) أخرى. وما إن تبلغ الساعة التاسعة تقريباً، حتى تنفجر الموسيقا، مطرب أو مطربة ما، تصم الآذان وتمنع أي حديث غير صارخ بين جارتين على ذات الطاولة، لكنها يجب أن لا تمنع العاملة من سماع وفهم ما تريده الضيفة حتى لو لم تنطق به، فـ (الزبون دائماً على حق)!! أليست هذه هي القاعدة الذهبية للعصور الحديثة؟!. يمر الوقت ببطء السلحفاة، الوقت الذي لا يسمح فيه بأي استراحة للعاملات، حتى إذا كانت مريضة أو فاجأها أمر صحي ما. الوقت الذي ينقضي وقوفاً على الأقدام (تكاد تسقط تعباً، والكرسي قربك يستفزك، كحلم مستحيل - فقرة أخرى من المذكرات)، بينما الأعين تجول بين الطاولات بانتظار إشارة عابرة لتنطلق على أثرها الأقدام المنهكة لتلبي الطلب. تقبض العاملة ما بين 004 - 005 ليرة في الحفلة الواحدة. وفي بعض الأحيان (يكرم) صاحب الحفلة العاملات بمبلغ ما، يقوم المسؤول بتوزيعه وفق رغباته الخاصة، وليس نادراً أن لا يصل منه شيء إلى أيدي العاملات. لا أحد مسؤول عن تأمين مواصلات العاملات، وإذا لم يكن المجيء مشكلة، فالذهاب مشكلة في الساعة الرابعة صباحاً، خاصة أن هناك ما يكفي من (المهذبين) الذين يستغلون هذا الوقت للتحرش بالنساء، مع فكرة مسبقة بأن المرأة التي (ترضى) بهذا العمل هي امرأة سهلة المنال. (أكثر هؤلاء هم من رواد الحفلات ذاتها، يفتحون أبواب سياراتهم اللامعة عارضين - بكل براءة!- أن يقوموا بتوصيلنا إلى المنزل). (كما أنهن مضطرات للذهاب بوساطة التكسي في هذا الوقت المتأخر، وقد تدفع العاملة أكثر من 001 ليرة لتصل إلى بيتها). مؤخراً لفت هذا العمل انتباه أصحاب المبادرات الخلاقة فتحول إلى تعهد، إذا أرادت امرأة ما العمل تقوم بتسجيل اسمها في المكتب (غير المرخص)، ويجري الاتصال بها حين الحاجة. طبعاً تقوم سيدة المكتب بالتنسيق مع الفندق أو المطعم، وتكون مسؤولة بالكامل عن الفتيات العاملات، وتقتص من أجورهن نسبة لقاء خدماتها، ( إنها تأخذ نسبة تصل أحياناً إلى 02%، وتلعب بالدور كما تشاء، مما يضطرنا لأن نحاول كسب رضاها على الدوام، لكن مع ذلك هذا أفضل ، فقد كنا نتعرض للكثير من الإهانة والإذلال في سؤالنا اليومي إن كان يوجد عمل أم لا). أما السيدة ن صاحبة أحد هذه المكاتب فترى أنها تقوم بخدمة إنسانية: ( أنا أوفر على الصبايا تعب السؤال اليومي، بدون مقابل تقريباً. لا يمكن تسجيل المكتب، لأن هذا العمل غير معترف به أصلاً، كما أن قسماً من العاملات هن موظفات في الدولة. ليس صحيحاً أنني ألعب بالدور، لكن هناك حفلات لا تستطيع بعض النساء العمل بها(!!) فأضطر للانتقاء). من الشيراتون إلى فندق الشام، عبر المريديان ونادي الشرق وأماكن أخرى، أماكن النجوم اللامعة، يمضي ليل الصخب الطويل، الليل الباهظ الكلفة، كلفة يدفعها الساهرون المميزون دون حساب للأرقام المدفوعة، وكلفة تدفعها النادلات من حياتهن التي لا يملكن سبيلاً لتغييرها. تختم الآنسة ف - خريجة أدب فرنسي - حديثها قائلة: (المهم أن صناعتنا السياحية بخير، ألسنا كلنا مسؤولين عن تقدم هذا البلد وازدهاره؟!).
بســـام القاضي، (عمل لاإنساني . . . من دون أي ضمانات: نادلات في ليل الفنادق)، النور، 2003