كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
الرئيسية arrow مقالات.. arrow ندوة مهرجان دمشق المسرحي: قلة من المتحاورين لمواضيع مكررة
ندوة مهرجان دمشق المسرحي: قلة من المتحاورين لمواضيع مكررة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

لعل أهم ما كان يحدث في الدورات السابقة لمهرجان دمشق المسرحي هو الندوة المرافقة للعروض. تلك الندوة التي طالما شكلت لقاء حوارياً نادراً، ليس في قضايا المسرح وحسب، بل أولاً في قضايا الوطن والأمة. في الحرية والإبداع. في علاقة الفن بالمجتمع والسلطة.. وفي كل ما يهم من يفترض أنهم طليعة بالمعنى الفعلي للكلمة. أي الفئة القارئة للواقع والمستشرفة للمستقبل والفاعلة في الحركة نحو هذا المستقبل.


ومع الدورة الثانية عشرة للمهرجان، الناهضة بعد انقطاع طويل دام ست عشرة سنة حافلة بالتغيرات العميقة على كل الصعد: محلياً وعربياً وعالمياً. سياسياً واقتصادياً وفكرياً وفنياً. كان يؤمل أن تكون الندوة، رغم عناوينها المكررة من دورات سابقة، ساحة حوار واسع وعميق للكثير من المستجدات. وهو، للأسف، ما لم يحدث!

وليس غياب محاضرين مقررين في الندوة فقط كان أمراً مثيراً. بل غياب أسماء مهمة في المسرح العربي والسوري كذلك. غابوا عن الندوة محاضرين ومشاركين. لم نر مسرحيينا الذين عرفناهم: لا رياض عصمت ولا غسان مسعود ولا جهاد سعد ولا مها الصالح ولا أحداً تقريباً من المسرحيين الشباب! وهل يكفي أن الدعوات وجهت للجميع؟ ولماذا لم يلبوها؟ بل حتى القلة القليلة التي حضرت لم تستطع الاستمرار في محور واحد حتى نهاية النقاش.! باستثناء زيناتي قدسية في المحورين الأولين. وأسعد فضة الذي كان مدير الجلسة، إضافة إلى مشاركته كمحاضر في المحور الثاني.

في المحور الأول الذي عقد تحت عنوان (علاقة المسرح بوسائل الاتصال الأخرى) غاب المسرحي الكبير سعد أردش (مصر)، والفاضل الجعايبي (تونس)، ونضال الأشقر (لبنان). وثلاثتهم كانوا مقررين كمحاضرين في المحور!

تحدثت عواطف نعيم (العراق) في ورقتها عن أن المسرح هو أكثر الفنون تفتحاً وتأثيراً. لكنه شبه عاجز عن الصمود أمام التطور المتسارع والمخيف لوسائل الاتصال الأخرى (التلفزيون والسينما)، بسبب الاستثمارات المالية الضخمة التي تضخ في تلك الوسائل ارتباطاً بمصالح ودول. بينما لا يجد المسرح أدنى اهتمام على هذا الصعيد.

ولتلك الوسائل التي جعلت العالم قرية صغيرة ميزة تنافسية هي أن الحصول عليها سهل جداً. لا يحتاج إلى أي جهد. الأمر الذي خلق فتوراً في علاقة المسرح بالناس.

وتساءلت نعيم: كيف نستطيع تحويل المسرح، في الألفية الثالثة أي وقت صعود اللون الواحد والصوت الواحد في العالم، إلى رسالة توعية وتنوير وتحريض ومعرفة؟ كيف نجعله قريباً من الإنسان الحي؟

فرحان بلبل تحدث مطولاً حول علاقة المسرح بوسائل الاتصال الأخرى، مشيراً إلى أن المسرح يحارب نفسه حين يحاول أن يأخذ خصائص الوسائل الأخرى، خاصة التلفاز، لكي ينافسه. هذه المنافسة التي دفعت المسرح إلى حال من الشكلانية والتجريب أدت إلى اختفاء العنصرين الأساسيين في المسرح: الممثل والكلمة، خلف المكياج والإضاءة والسينوغرافيا.. لنخرج بالنتيجة بعرض متقن الشكل فارغ المضمون.

وأشار بلبل إلى أن التلفاز قدم للمسرح إعلاماً (مادة إعلامية، تصوير مسرحيات..) لم يتم استثماره جيداً.

صلاح السعدني أبدى ملاحظة، بطريقته المرحة، حول أن ما يقال الآن هو ذاته ما قيل في الدورات السابقة دون أن يتغير شيء! فلماذا نحكي إذن؟ وتساءل يائساً إن كان للمسرح أن يقوم على الكلمة في ظل غياب شبه تام للحرية التي تقتضيها الكلمة.

في الحوار الذي أعقب المداخلات تحدث عبد الفتاح قلعجي عن أن المسرح بالمعنى الأرسطي الإغريقي هو غربي بالتأكيد. لكننا لسنا ملزمين بهذا الفهم. بينما نظرة إلى المجتمعات الأخرى تظهر أن المسرح إنساني عام من جهة، ومحلي في كل بلد من جهة أخرى.

وتساءل البشير سهل جمعة (السودان)، عن دور المفكرين وقادة الرأي، وبضمنهم الفنانون في نهضة المسرح. وطرح سؤالاً مهماً: بعد كل هذا الواقع المسرحي الذي نعانيه منذ مدة طويلة، هل ما زال المسرح ضرورة؟

أما حسن قرفالي (ليبيا)، فرأى أن المعارضة بين المسرح ووسائل الاتصال الأخرى قد تكون مغلوطة من الأساس. والسؤال الأهم هو عن الجمهور الذي يجب أن نتواصل معه: ما هو؟ وما هي خصائصه؟ الجمهور الأمريكي غير الفرنسي غير الياباني. والعربي غيرهم كذلك. داعياً إلى أوسع حرية للمسرح. ليست الحرية السياسية فقط، بل الحرية بأوسع معانيها.

أكد زيناتي قدسية أننا نحتاج إلى وقفة جدية وصريحة عن تراجع تجربة المسرح برمتها. وأشار إلى أن استخدام وسائل الاتصال الأخرى في العرض المسرحي أمر صحيح. لكن دون الغرق في ذلك.

في المحور الثاني (المسرح العربي والهوية المعاصرة) تميز أسعد فضة، كعادته، في إدارة الندوة التي تميزت أيضاً بأوسع حضور من رجال المسرح بين المحاور الثلاثة. وأكد فضة في مداخلته أنه لا خوف على الهوية. فالمسرح تراث إنساني أولاً. وما يجب هو تخطي الهوية بالمفهوم الضيق. أي كقالب مرسوم مسبقاً إلى فضاء مفتوح على الخلق والإبداع. والهوية هنا هي الخصوصية التي ينفتح فيها ومن خلالها هذا الخلق والإبداع في هذا المكان أو ذاك من العالم.

بينما تساءل عبد العزيز مخيون (مصر)، عما حققه المسرح طوال قرن ونصف من الممارسة المسرحية. وهل استطاع أن يدخل حياة الناس ليصير حاجة دورية لهم؟ مؤكداً أن على المرح أن يواكب أحداث الأمة وفق الأولوية. والأولوية تغبّ ما يليها.

عمر الباش (تونس)، رأى أن أمواج العولمة تتقاذف المسرح اليوم. العولمة التي أدت إلى انكفاء شعوب ومجتمعات على تاريخها الخاص والإقليمي. ورأى أن هوية مسرحنا تولد من تبادل العروض والخبرات المسرحية بين الدول العربية، ومن معالجة المسرح لقضايانا.

تساءلت عواطف نعيم، بصوت عميق، عن إمكانيتنا في إنقاذ المسرح العربي إذا كنا عاجزين عن إنقاذ الأوطان أساساً! وتساءلت عن أية هوية نتحدث إذا كانت كل استشهاداتنا هي نقلاً عن باحثين ومسرحيين ومفكرين غربيين، دون أن نشير إلى اسم عربي؟

أما بول شاؤول فقدم مداخلة أثارت حواراً حامياً، أشار فيها إلى أن عصر الهويات المغلقة كان القرن العشرين الذي مضى. والمطلوب اليوم هو أن لا نقف عند الهويات أياً كانت، ميتافيزيقية أو قومية أو إيديولوجية. مشيراً إلى أن الهوية المسبقة هي فاشية بالضرورة، والإبداع وحده الحي.

(بعد عشرين عاماً من العمل يبدو أننا نعمل في عدم حقيقي)! هكذا رأى جواد الأسدي في مداخلته. مشيراً إلى أنه لا يمكن فصل المسرح عن الواقع. وفي الواقع الآن تحكمنا أصوليتان: الأصولية السياسية التي تمارسها وتحميها الأنظمة المتحفية العربية. والأصولية الدينية المتطرفة التي تحول الدنيا إلى ظلامية وكراهية.

عبد الرحمن أبو القاسم تساءل عما يمكن أن يكون عليه حال المسرح وهو معصور في معصرة السلطة؟ حتى العروض المشاركة خرجت وجاءت من المعصرة ذاتها لتقدم وجهات نظر السلطة! حين نخرج من هذا الواقع، وتصير سلطة الثقافة هي السلطة العليا، يمكننا الحديث عن مسرح حقيقي، مسرح معني بهموم الناس.

تساءل حسن قرفالي (ليبيا)، عن أسباب حديثنا عن الآخر بدونية دائماً؟ ولماذا نخاف منه؟ لماذا لا نتواصل معه؟ ورأى أن تقصيرنا في تكريس مسرحنا هو الذي يدفعنا للخوف. المسرح في الوطن العربي، برأيه، ليس ظاهرة. بل فعلاً اجتماعياً مستمراً. لكنه يحتاج إلى الكثير من العمل.

(مواكبة الخطاب المسرحي للواقع السياسي) كان عنوان المحور الثالث. العنوان الأكثر إثارة. إلا أنه المحور الذي تغيب عنه ثلاثة محاضرين: ممدوح عدوان، صلاح السعدني، وعثمان جمال الدين (السودان)! كما تغيب عن حضوره الكثيرون!

استعرض عبد الفتاح قلعجي في البداية علاقة المسرح بالهم السياسي عبر تاريخنا الحديث. ورأى أن السياسة هي قدر المسرح منذ نشأته الأولى. مع ذلك لا يجب إحياء المسرح السياسي كما طُرح في السابق. أي بمعنى الارتباط بشعارات السلطة ومرجعياتها حاكمية كانت أم اجتماعية. فالمبدع هو في موقف المعارض والناقد بالضرورة. والالتزام الوحيد هو الالتزام بضمير الشعب، بقضايا الإنسان. وعلى المسرح أن يثير الأسئلة لا أن يقدم الأجوبة والحلول.

بول شاؤول أشار إلى أن مسرحنا كان سياسياً بالكامل في القرن العشرين. وصار الآن غير سياسي بالكامل! ورأى أن المسرح العربي كان سياسياً أساساً لارتباطه بنهضة المجتمع الذي كان يتطلع إلى التغيير. مشيراً إلى أن المسرح هو أداة من أدوات المجتمع المدني. لكن السلطة تريد ثمناً لدعمها للمسرح. وهذا الثمن هو وضع سقف له. الأمر ذاته الذي قامت به الأحزاب. ولأنه لم يعد لدينا مجتمع مدني سياسي، صار مسرحنا السياسي هو أضعف الحلقات. وهذه أسباب موضوعية. أما الأسباب الذاتية فأهمها أننا استنفدنا في الخمسين سنة الماضية ما أنجزه الغرب في قرن من الزمن. استنفدنا إيديولوجيات ومدارس وليس أفكاراً. وحتى ينهض المسرح في علاقته بالواقع من جديد لا بد من إعادة الصلة مع المجتمع المدني. داعياً أهل المسرح إلى أن يعودوا إلى المسرح.

هذا، باختصار، ما دار في المحاور الثلاثة لندوة المهرجان. وهي لم تشبع أحداً من متابعيها. وغاب عنها الكثيرون كما أشرنا في البداية. إلا أن هذا لا يمنع من أن تكون (فاتحة خير) كما يقال. وهو أمر منوط أولاً بمدى الجدية والشفافية التي سيقوم من خلالها المسؤولون عن المهرجان بدراسة وتقييم تجربة متعثرة. ولكنها قد لا تكون النهاية!

لقطات غير ضاحكة
 
أثناء استعراض عبد الفتاح قلعجي للمسرح عند الشعوب في سياق البرهنة على أن المسرح ليس غربياً، بل ينتمي مسرح كل مجتمع إلى مجتمعه، قاطعه مدير الجلسة هشام كفارنة مشيراً إلى أنه (خرج عن الموضوع). ورغم استطراد قلعجي في البرهنة إلا أنه لم يكن قد خرج عما قاله المحاضران. فما كان من قلعجي إلا أن لملم أوراقه وخرج!
 
أسعد فضة، المتميز بطول نفسه، صمد طويلاً في حضوره الصامت للمحور الأول. إلا أن (للصبر حدوداً). وأخيراً قام قبل أن تنتهي، بهدوء، وانسحب من القاعة!
 
أحد المسرحيين المهمين لم يستطع المقاومة في المحور الثاني. فأغفى بضعة مرات وهو جالس على كرسيه!
 
علق الزميل علي برازي في المحور الثالث: وأخيراً تذكر أحد أن يقدم شاياً. وإن كان للمحاضرين فقط!
 
د. حمدي موصلي استفز كثيراً مما قاله بول شاؤول عن انتفاء الهويات المسبقة. فأشار من بين ما أشار إليه شاؤول لم يكن يريد البقاء في الندوة أصلاً لولا إلحاح أسعد فضة. مما استفز شاؤول ورد بأنه حر في أن يحضر أو لا يحضر. وأن يتكلم أو لا يتكلم. ولكن بضعة كلمات طيبة أجرت (مصالحة) على الطريقة العربية في ختام النقاش!
 
كالعادة، لم يجد أحد أهمية لتوزيع أوراق المداخلات على الحضور، أو حتى ملخص لها. مفترضين أن على الحاضرين أن (يجمعوا) جيداً أثناء الاستماع!
 
زهير رمضان، مدير مديرية المسارح والموسيقا، حضر نحو نصف ساعة من المحور الأول. ومثلها من المحور الأخير. وغاب نهائياً عن المحور الثاني
 
أصر هشام كفارنة، مدير جلستي المحور الأول والثالث، على تلخيص مداخلة المحاضر بعد انتهائها. بينما قال أسعد فضة، مدير جلسة المحور الثاني، أعتقد أن المحاضرين واضحون وأنتم تفهمون جيداً. ولا داعيَ لأن ألخص!


بسام القاضي، (ندوة مهرجان دمشق المسرحي: قلة من المتحاورين لمواضيع مكررة)، النور، العدد 178، 1/12/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS