كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
إمكان طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

  

قلتُ لك إنك لن ترحل. ستعود بكرشك المتدلي الذي طالما داعبتك به. وابتسامتك الرائقة التي أشكلت عليّ قبل أن أفهمها. بالسنين الطويلة التي حفرت على وجهك تقاطعاً غريباً لقطارات لا تعرف التقاعد. بصوتك الهادئ المتسلل كمفاجأة صغيرة. بلمسة يدك المترعة بالحب والمشتاقة للعادية.


قلتُ إنك ستعود. وخفتُ من أن أحمل باقة ورد لأعودك! لم أهدكَ وردة من قبل. فكيف لي أن أقدمها لك، للمرة الأولى وأنت تتألم! يقال إن الورد يُقدّم للمرضى ليبث فيهم الأمل. فكرة معقولة. لكنك لم تكن تحتاج إلى ما يبث فيك الأمل. كان لديك فائض منه. أتذكر؟ حتى في أحلك الظروف كنت تبتسم وتدين تشاؤمي! أفكر الآن: معك حقّ. الحياة لا تقف أبداً. كم من المبدعين والكسالى مرّوا في دروبها! كم من العظماء والتافهين! كم من السادة والعبيد! كم من الحب والكراهية! من الحرب والسلام! من الرخاء والمجاعة! وها هي ذي تمضي، حاملة نورها الخاص، هاضمة كل شيء. حتى أنت. (أنت)! ولماذا تمييزكَ؟ هل لأن الموت يبدو طبيعياً، كالأكل والشرب والكلمات، ما دام هو لا يعنينا. وحين يقترب منا يصير استثنائياً؟ ربما. وربما يكون لأنني رأيتك، عذراً، أبعد من ذاك الجالس على كرسي يقرر. وحين يمكننا أن نرمي كل شيء خارجاً، ونتأمل الجسد العاري من الأردية وزيت المعبد، لا يعود هناك مكان لـ (نا)، ولا لـ(م) الجماعة. يصير المكان، المكان كله، لهذا الذي ليس له شبيه. لهذا الخلق الخاص الذي لا يشبه آخر. ولا يعوض فقدانه شيء.
هل يزعجك هذا الحديث عن (نا) و(م) الجماعة، أنت الذي أمضيت عمرك مدافعاً عنهما؟ لا أظن ذلك. على الأقل لم يكن الأمر كذلك حين كنا جالسين على الأريكة (التي تحولت، بما يشبه السحر، إلى صخرة على شاطئ البحر)، وقلت لك إن (نا) تلك يمكن أن تصير جزازة عشب. ابتسمت وقلتَ: ((نا) الجماعة هي (ياء) المتكلم التي لا تنتهي عند حدودها، نعم!). هذه الـ(نعم) خاصتك! أحببتها حقاً. كان استفزازها لي بأن أبقى مستنفراً لأميز بينها وبين أن تكون سؤالاً! أليس جميلاً أن يكون في الآخر ما يستفزنا؟ ربما ليس هناك ما هو أجمل منه سوى أن يكون في الذات ما يستفزها.
أقول لك! حين عرفتُ أنك رحلتَ لم أرغب في البكاء. هل هذا أمر معيب؟ لست أدري. لكنني، حين فكرتُ فيه، رأيت عينيك تبتسمان وتجدان لي مخرجاً! لكنني لا أريد مخارج. أود أن أقولها هكذا، عارية من كل شيء، لم أرغب في البكاء لأن حديقة صغيرة زرعتها يداك في بستان قلبي، أعرف أنها ستبقى نضرة، تجعلني أصمت قليلاً دون دموع.
قلتُ لك إنك لن ترحل. لكنك حرمتني من أن أفاخر بما قلتُ. أدرت لي ظهرك، وأغمضت عينيك، ورحلتَ. عشتَ طويلاً، أعرف ذلك. لكنك رحلتَ أبكر مما يجب بالنسبة لي. لم يتسع لي الوقت (حقاً! كان هناك متسع من الوقت. لكن الحياة جشعةٌ!) لأسألك كل ما رغبت أن أسألك إياه. ولأدخل أكثر إلى تلك البقعة الغامضة المختبئة خلف أضلعك، تخجل من أن تقولَها، ويخاف الآخرون من أن يلمسوها.
مع ذلك، أعرف الآن إنك لم تكن قلقاً وأنت تغادر هذا المكان الذي أحببته، وهؤلاء الناس الذين بقيت فيهم رائحتك، وهذا الزمن الذي سجل لك اسمك. لم تكن قلقاً. كنتَ مرتاحاً تلك الراحة اللذيذة التي نشعرها ونحن نعرف ماذا سنفعل غداً. نعرف طعم فنجان القهوة الذي سنشربه في الصباح. كنت مرتاحاً وأنت تعرف إلى أين ستذهب.
والآن، هل تذكر ما قاله طاغور، ذلك الرجل الملتحي ذو الوجه الأسمر؟: (أيتها الروح.. لا أسألكِ الخلود. إنما أسألك استنفاد الممكن). لست أدري إن كنتَ قد فعلتَها واستنفدت الممكن. لكنني متأكد أنك كنت ستبتسم وتقول لي، كالعادة: (الحياة طويلة. ما زال هناك وقت).

**- نعوة غير تقليدية عند رجيل السيد دانيال نعمة، رئيس تحرير النور (2001-2003)

*- جريدة "النور"- العدد (132)-  10/12/2003


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS