سيكون من الصعب علي كثيراً أن أشرح لم اخترت هذا الاسم لزاويتي هذه: حكاية مملة! رغم أن إغراء صف الكلمات بعضها تلو بعض، وفوق بعض، وتحت بعض، مثلما يحدث في الخطب الحماسية، والديباجات التاريخية، والأقبية السوداء الأزلية.. هو إغراء لا يقاوم! إذ، لسبب ما، تبدو الثرثرة هي الفعل الأكثر تماسا وتعبيرا عن حياتنا الغارقة في "الثرثرة"!
لكن، وبدون صراحة، لم أجد وصفاً أكثر قرباً مما هي عليه حياتنا اليوم: حكاية مملة.. أفليس الملل هو أول ما يخطر على البال حين نتحدث عن أمر يتكرر ويتكرر، ثم يتكرر ويتكرر، ثم يتكرر ويتكرر.. حتى تصير جلودنا مثل دبق لا يفارق أرواحنا؟ وحتى تختنق أرواحنا فلا تجد أوكسجيناً ولا غاز ثاني أكسيد الكربون؟! بل ولا حتى رائحة العرق النفاذة في صيف جاءنا مبكراً جداً هذا العام؟!
في مكان ما من العالم كتبت رواية ما نسيت اسمها واسم كاتبها، وهو تعبير آخر عن الملل.. يصف فيها تاجراً في مرحلة ما من انتقال البلد "التاريخي".. وفي فصل من فصولها المنتهية لا تني الكلمات تغل وتغل في وصف ملل هذا الرجل المسترخي على "كنبة" عثمانية في غرفة باذخة.. حتى شعرت أن جلدي بدأ ينزّ مللاً.. إلا أنني لم أتمكن، للأسف، من إلقاء هذا الكتاب الضخم ذو الجزئين والكثير من الأوراق والكلمات المصفوفة إلا بعد أن استفحل تغلغل الملل في روحي، فسقط الكتاب من تلقاء نفسه على أرض غرفة ضيقة ومغبرّة..
ومنذ تلك الخبطة التي لم تحرك فيها ساكنا، حين وقت الكتاب على أرض زلقت من الملل النازّ مني، قررت أنني لن أحارب الملل بعد اليوم.. كل ما سأفعله هو أن أسمح لجفني أن يراقبانه وهو يتربع على عرشي، ويقرر كيف يتدفق الدم في عروقي..
وبصراحة، "الصراحة" التي هي شائعة جداً اليوم، شعرت أنني بدأت التحول إلى "مواطن صالح"، معتقداً أن ذلك يشبه التحول إلى "إنسان"، وظاناً بإثم أن تحولي هذا لن يستغرق سوى وقت قصير..