إنها مفاجأة الموسم الكبرى.. فقد نشر موقع "النزاهة نيوز" المحترم خبرا بعنوان: "الغلاء يؤرق المواطنين ويعلن فشل الحكومة وعجزها "! وهو العنوان الذي جعل النوم يجفو عيوني جفاء ما بعده جفاء.. فقد فهمت كل حرف في العنوان ما عدا تلك الأحرف المركبة بطريقة غريبة عجيبة: المواطنين! وفتحت أدراج ذاكرتي التي علاها الغبار ونخرها العث بحثا عن معنى لهذه الكلمة.. فلم أجد.. سحبت معولي المثلوم ونكشت عظام ابن منظور حتى قامت له قائمة.. فعبس وتولى وأكد أن هذه الكلمة دخيلة يبثها أساطين الغزو الثقافي وطابوره الخامس المتمثل بالإعلاميين "باثو الإحباط"!
ولما يئست يأسا شديداً.. ذهبت إلى المطبخ مسرعاً لأبحث في بعض النوافل في خزانة طعامي عما يمكن أن يرفع نسبة السكر في دمي في محاولة فاشلة لرفع معنوياتي.. فما وجدت فيها سوى كيس صغير فيه بعض من.. العدس الأحمر "أبو شوربة"!! وتذكرت أن الخبر نفسه يقول: "وطال الارتفاع العدس والحمص الحب بأنواعه مقارنة مع الموسم الماضي إضافة إلى أسعار السمن النباتي والحيواني والدقيق والحليب فيما لم ترتفع أسعار مادة السكر وهي المادة الوحيدة التي قاربت أسعارها أسعار العام الماضي."
إذا.. وصل البلل إلى الذقن! فها هو العدس الشهير بالمثل: اللي بيعرف بيعرف واللي ما بيعرف بقول.. كف عدس.. قد ناله ما ناله من سياسة اقتصاد السوق "الاجتماعي" التي تجهل تماما القسم الأول من المثل! والتي أسيء فهمها سوءا جما. فقد شرع الحالون والمحللون والمتحللون ومن لف لفهم من أصحاب الرؤوس الكبيرة والنظارات السميكة، بالألوان الحمراء والخضراء والبيضاء والسوداء والرمادية.. يبرون أقلامهم الرصاص (وهذه مادة خاصة من الفحم لا علاقة لها بالرصاص المدوي في مسامات المنطقة منذ عقود تحت أسماء لا تلتقي أبداً إلا على زيادة عدد القبور ذات الشواهد الكبيرة، والصلبان الكبيرة، والعلامات الفارقة، وغير الفارقة، والشاهقة، والممسوحة، والمميزة، والمعماة..) في شرح، وشرح الشرح، وشرح الشرح على شرح "الاجتماعي" هذه التي لا تفتأ (حلوة هي تفتأ!!) تذكرني بما كان يوما: الناس يمكن أن تلتقي على غير كأس نميمة، وفي غير مهجع كالح.. مثلا (ولا سمح الله أن تعود!): يمكن أن تلتقي في مظاهرة عمالية تطالب أرباب العمل (وعادة يطلق المغرضون والعملاء من الطابور إياه، على الحكومة صفة: رب عمل!) أن يبسطوا أياديهم قليلا لكي ينال العمال الذين لم يتحدوا بعد في قرية صغيرة في عمق البادية، شيئا من فتات السادة..
والطامة الكبرى (هذه أيضا حلوة، مع أنها واقعية جدا جدا!) أن كل شروحهم راحت هباء منثورا.. حتى أن زبالي سوق المسكية لم يرغبوا حتى بشراء الورق الذي سطرت عليه تلك الشروحات ولو بالكيلو.. بل حتى معملا ما في مكان ما سبق أن دشن في زمن ما تحت اسم: معمل الورق.. وطولب التلاميذ المأدبون أن يكونوا قدوة لغير المؤدبين في لم الورق الذي تصرف منه إدارات المدارس أكثر مما يصرف التلاميذ أنفسهم، رفض رفضا قاطعا استلام دفعة من ذلك الورق كان قد جمعها أطفال الشوارع (المنحرفون بالفطرة حسب رؤية سيدة جليلة تجلس فوق كرسي جليل!) بحجة أن ما تحتويه قد يفرط الآلات حتى آخر برغي!!
وتبين، فيما تبين، أن اقتصاد السوق "الاجتماعي" لا يخلف شيئا من تحت مدحلته.. حتى العدس!! العدس الذي تصنع منه الشورباء التي سميت "حساء"! (قال يعني إنو ما حلوة هي "شورباء".. بتذكر بوضعنا في هذه المنطقة "الاستراتيجية" من العالم!). وتبين أن ذلك "الاجتماعي" كان له معنى واضحا وبينا، ولكن في "قلب الشاعر".. فمنذ أن احتلت الملاهي والكباريهات غوطة دمشق التي كانت ذات يوم، لم تنفك "الاجتماعات" تتوالى مؤكدة أن المواطن والمواطنة (بتعرفوها هي؟! مؤنث "مواطن"! يعني مجرد ضلع ناقص منه! والناقص، كما تعلمون، يمكن الاستغناء عنه عند انتفاء الحاجة إليه!) السورية لم يعد يحتاج شيئا سوى.. كف عدس..