كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
سرد طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

  

فتحتُ عيوني هذا الصباح كما لم أفتحهما أبداً. مليئاً بالطمأنينة والسعادة. (تمطمطتُ) قليلاً في السرير مستمتعاً بخدرِ مَن شبع نوماً دون أن يكون هناك عمل ما يخزني بقسوةٍ أن أنهض مستعجلاً لأركض وراءه دون أن أصل إليه. يدا حبيبتي غير الناعمتين، اللتان أشتاق لهما وهما على وجهي، تضعان فنجان القهوة أمامي، بينما يعلو وجهها ربيع لا يتغير إلى صيف وشتاء. باقة البنفسج زاهية بحزنها اللطيف على الطاولة. حكيت لها ما حلمتُ به. حكتْ لي ما ستفعله هذا النهار. لبسنا ثيابنا على مهل. وخرجنا من البيت الصغير واللطيف والدافئ الذي يبدو أنه بيتنا.


كان الجيران الذي اعتادوا قضاء صباحهم على مصطبة أمام الباب يتحدثون بهدوء دون شجار. والأولاد يلعبون بسعادة. ما كدنا نقف على الرصيف حتى وصل الباص. حافلة كبيرة ونظيفة. سائق هادئ ولطيف. كان هناك بضعة مقاعد فارغة احتللنا بعضها. أمسكت حبيبتي يدي وهي تشير إلى نهر متدفق بمياه غزيرة صافية. وعلى ضفتيه مقاعد كثيرة للراغبين في الهدوء والتأمل. على واحد من هذه المقاعد كان هناك شاب وصبية يمسك أحدهما بيد الآخر. ولا يبدو أنهما كانا يريان شيئاً حولهما. على مقعد آخر كانت تجلس عجوز وهي تحوك الصوف. يبدو أنها تحوك شالاً. ربما لحفيدها في عيد ميلاده.
كانت الشوارع نظيفة مستوية بلا حفر ولا مطبات. لم أضطر إلى التشبث بمسند المقعد كما كنت أفعل دائماً، بينما يحاول السرفيس تجاوز سيارة أمامه بسرعة جنونية. ولم يكن هناك شرطة مرور يوقفون السيارات في نقاط مزدحمة و(يصافحون) سائقيها تاركين لأيديهم أن تفاجأ بما يستقر فيها. ترجلنا في محطة واسعة مهيأة بأمكنة مناسبة لتوقّف الحافلات، ومجهزة بكل الخدمات الضرورية. اختلفنا قليلاً، حبيبتي وأنا، على أي فيلم سنحضر هذا المساء من بين الأفلام الكثيرة الجميلة المعروضة في أكثر من سينما. ثم افترقنا كل في طريقه إلى عمله.
ما إن دخلتُ من الباب حتى سارع المحاسب إلى الابتسام بوجهي. على غير عادته في أول الشهر. لم يكن هناك سُلَف قد سحبتها خلال الشهر. ولا أقساط قروض. حتى ضريبة الدخل بدت معقولة ومتناسبة مع راتبي الذي بدا، هو أيضاً، متناسباً مع عملي. جلستُ إلى طاولتي وانكببت على العمل. لم يكن هناك زملاء يثرثرون. ولا زميلات يعزم بعضهن بعضاً على القهوة. الجميع يعمل بجد حتى دقت ساعة الاستراحة. جلسنا في الاستراحة نناقش أمور بلدنا. كان الوقت وقت انتخابات. مرشحون مختلفون وبرامج انتخابية مختلفة. كانت هناك آراء مختلفة يُعبر عنها بصراحة ووضوح. لم يبدُ التردد أو الخوف على أي من أصحابها. كما لم يحاول أحد أن يتهم أو يشكك بغيره. ثم عدنا إلى الانكباب على أعمالنا حتى آخر دقيقة من الدوام. طوال هذا الوقت الطويل الذي بدا عادياً لم يأت أي أمرٍ من أعلى باستثناء هذا الشخص أو ذاك. هذه المعاملة أو تلك مراعاة لخاطر كرسيٍ ما.
انتهى الدوام. خرجنا بهدوء ونظام ونحن نتبادل التحيات والأمنيات الطيبة. التقيت مرة أخرى بحبيبتي التي اشتقت لها. أخبرتني أن هناك مسيرة احتجاجية على سياسة الحكومة ينظمها الحزب الذي تنتمي هي إليه. فانخرطنا معاً في الجموع التي كانت تسير بهدوء وانتظام وترفع اللافتات وتطلق الهتافات. رافقنا، على محيط الحشود، رجال شرطة أنيقون ومهذبون حرصوا على يفتحوا الطرق أمام المسيرة ويحافظوا على خط سيرها المنضبط. ثم قابلنا مسؤول مهم أطلق بعض التصريحات واستلم مطالبنا. وتفرقنا كل في حال سبيله.
كان الجوع قد استبد بنا. فدخلنا أحد المطاعم المناسبة. كل شيء نظيف ومرتب. والعاملون بشوشون ولطفاء. لم يكن هناك زجاجة ماء وعلبة محارم وصحن مكسرات إجباري على كل طاولة علي أن أدفع ثمنها سواء طلبتها أم لا. وكانت الفاتورة عادية.
تذكرت أن هناك مسرحية جديدة في أحد المسارح الكثيرة المنتشرة في كل حي. فاستبدلنا بفكرة مشاهدة فيلم ما الذهاب لحضور المسرحية. كانت الصالة تغص بمشاهدين من كل الفئات. وللمصادفة كان في المقعد الذي يلينا مباشرة أحد الوزراء يجلس بجانب زوجته وطفليه. ولولا أنني رأيت صورته البارحة على التلفاز لما عرفته. كانت مسرحية جميلة عن موظف غرق في أعماله الروتينية حتى استيقظ ذات يوم فإذا به قد نسي اسمه. وكان الديكور والممثلون والممثلات يشبهوننا كثيراً. أثارت المسرحية الكثير من النقاش بين حبيبتي وبيني. وتذكرنا المسرحية السابقة التي حضرناها والتي كانت غريبة عجيبة في موضوعها وتجسيدها حتى إننا لم نفهم منها شيئاً، وندمنا أننا شاهدناها.
عدنا إلى البيت في المساء. كان يعترينا شيء من التعب اللذيذ بعد هذا اليوم الحافل. أعدّت حبيبتي فنجان القهوة بينما كنت أرتب البيت. ثم جلسنا في الشرفة الصغيرة المليئة بالورود. أمسكتُ الجريدة أتصفحها بينما هي تقرأ في رواية جديدة. ثم مال الجو إلى قليل من البرودة فدخلنا إلى الصالون. شغلنا التلفاز على إحدى المحطات المحلية. كان هناك برنامج اجتماعي تديره مذيعة جميلة ومختصة في هذا المجال. لم يكن هناك كلام فائض ولا نصائح ممجوجة ولا مواعظ جامدة. بل حوار منفتح ونقاش مفيد.
انتهى البرنامج وأغلقنا صندوق العفاريت كما كانت تسميه جدتي. رتبنا بعض أمور صغيرة ليوم الغد. اتفقنا على أننا سندعو بعض أصدقائنا لسهرة الغد. تمازحنا قليلاً ونحن نغرغر ببقايا معجون الأسنان ذي الطعم الحريف.
وأخيراً حان وقت النوم. تمددت في فراشي كما أفعل كل يوم. ألقيت نظرة أخيرة على الساعة المعلقة على الجدار تعلوها شباك العنكبوت. وتذكرت أنهم قرروا أخيراً أن يقدموا الساعة في يوم مناسب من الأسبوع الأول من نيسان. بدلاً من هذا اليوم: الأول من نيسان!

*- جريدة "النور"- العدد (146)-   7/4/2004


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS