كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

لا ديمقراطية دون حرية تامة للرأي
الرئيسية arrow مقالات.. arrow سوء فهم متبادل.. أم سوء فهم مقصود؟!
سوء فهم متبادل.. أم سوء فهم مقصود؟! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

كلما جرى الحديث عن المقارنة بين المرأة العربية والمرأة في الدول الغربية (وفي دول العالم عامة)، طفا على السطح الحديث عن "الاختلاف في الثقافة"! و"الاختلاف في الخصوصية"! والاختلاف في "العادات والتقاليد"! وبالتالي "الاختلاف في القيم"! حتى ليبدو أن العالم ليس عالما، أنما مجموعة من العوالم المتنافرة المتضادة والمتباعدة. فهل لهذا أصل وفصل؟!

في الواقع إنها مجرد أسطورة مشروخة سبق أن اتبعها أرباب "السلطات" من كافة الأنواع، الدينية والمدنية، لتحقيق هدف واحد هو الحفاظ على سلطاتهم بعيدا عن تأثير "الحضارات المتقدمة" على قاعدتهم "الشعبية" العريضة، والتي شكل وضع المرأة فيها، تاريخيا، واحداً من أهم نقاط الارتكاز.
فـ"الشرق" و"الغرب"، و"الشمال" و"الجنوب"، عاشوا جميعا نفس الفترات التاريخية بشكل أو بآخر. ولم تكن الفروق بينهم فروق نوعية، بل مجرد فروق كمية مرتبطة بالحركة التاريخية لهذا المجتمع أو ذاك. وليس من داع لاستعادة تاريخ يسعى الظلاميون، من مختلف التسميات، إلى دفع الناس دوما إلى الغرق فيها كنوع من الإلهاء المكشوف واستنزاف القوى. فقد عاشت المرأة تاريخيا، في جميع المجتمعات، وفي ظل جميع الأديان، وتحت جميع الإيدلوجيات، فترات من القفزات الإيجابية تاريخيا، لتقبع دائما تحت ظل الخطوات الصغيرة التي تم إنجازها. هذا ما جرى في الشرق والغرب والشمال والجنوب. وهو يشكل ظاهرة بشرية بامتياز تعبر عن مدى قرب الإنسان، حتى اليوم، من منشأه البدائي: الغابة. حيث كان للقوة العضلية الفضل الأساس في بقاء هذا النوع الحي. ورغم تغير الظروف تدريجيا، إلا أن الامتيازات التي حققها الذكور، في كافة الثقافات والأديان، تشكل مرتكزا قويا لفئة واسعة من البشر ليس فقط أنها لا ترغب بالتخلي عن امتيازاتها غير العادلة، بل إنها تنوء أصلا تحت عبء هذه الامتيازات التي فارقت مكانها التاريخي.

وإذا، فإن ما يسمى بسوء الفهم بين "الشرق والغرب" ليس سوء فهم في الواقع. بل نوع من سلوك النعامة الحديث. إذ يحلو للمجتمعات الغربية أن تصور المجتمعات الشرقية على أنها ما زالت غارقة في التمييز ضد المرأة، وهو ما يشكل نوعاً من التبرير الداخلي، وإن قليلا، لاستمرار التمييز ضد المرأة في "الغرب" رغم الإنجازات الحقيقية التي تحققت في تلك المجتمعات. كذلك فإنه يحلو للمجتمعات الشرقية أن تصور المجتمعات الغربية على أنها غارقة في التفكك والانحلال كحجة لعدم السير في طرق تحرر المرأة ومساواتها على اعتبار أن ذاك نتيجة هذا.

والمساواة هنا تشكل الكلمة المفتاح التي يخشاها الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية والعقائدية. فهي لا تعني تخليا عن امتيازات الذكورة فحسب (رغم أن ذكور القرن الواحد والعشرين ينوؤون تحت ثقل هذه "الامتيازات")، بل تعني اساسا إعادة تركيب العلاقة بين الرجل والمرأة من أساسها. وطبعا هذا غير ممكن دون إعادة تركيب المجتمع بكافة مستوياتها، بما فيها المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية.. وهي إعادة تشكل خطرا واضحا وفادحا على أسس النظام العالمي برمته مهما كان اسمه: اشتراكيا أو رأسماليا أو اسلاميا أو مسيحيا.. فهو جميعا يقوم على طبقية سافرة معروفة الاسم العام: الأغنياء والفقراء. وطبقية أخرى خفية تحت اسم خفي: النساء والرجال!

ولهذه البنى الاجتماعية السياسية الاقتصادية مصلحة واحدة في إبقاء الطبقية الثانية مموهة. لأنها تشكل الخطر الأكبر عليها. فالمساواة بين الرجل والمرأة تشكل أحد أهم مفاتيح تحرر البشرية أصلا من عبوديتها التاريخية. فهي لا تطلق إمكانيات كل من الرجل والمرأة فحسب، بل تفتح الرؤية واسعة على واقع أن "التشارك والمشاركة" هي الأفضل عموما في حياة البشر. ومن الصعب هنا أن لا يمتد هذا المفهوم ليصل إلى كافة أشكال "الملكية" التي عرفها الإنسان، بما في ذلك الملكية الاقتصادية والملكية "السياسية".

وإذا كان يمكن اللعب على الكلمات بخصوص "حق الملكية الخاصة" في الطبقية الأولى المعروفة، وهو ما قامت به أكثر إيديولوجيات البشر، عبر تكريس تقديسها وحرمتها، فإنه يصعب كثيرا إيجاد تبرير "مقنع" لهذه الملكية حين يصير الرجل والمرأة في مستوى واحد من حقوق الحياة المختلفة. وهذا ما يجعل أغلب القوى غير الديمقراطية تقف ضد قضايا تحرر المرأة في الجوهر وحين يجد الجد، وتسعى جاهدة إلى قولبة هذه القضايا وفق مقولات جاهزة مضبوطة مسبقا حين تضطر، لسبب أو لآخر، إلى إعلان مواقف مؤيدة لهذا التحرر.

من هنا نقول أن "سوء الفهم" ذاك سوف يبقى مستمرا، سواء بين مجتمعات "شرقية" وأخرى "غربية"، أو بين تجمعات تحت اسم هذا الدين وبين أخرى تحت اسم ذاك، أو بين مناطق داخل الكتلة الجغرافية الواحدة، ما دام التمييز ضد المرأة مستمرا. وبالتالي فإن الجهود المبذولة باتجاه إزالته هي جهود تكاد تكون غير مفيدة. الذي يمكنه حقا أن يزيل هذا الأمر هو أن تتقدم المرأة، في "الغرب والشرق" بشكل حقيقي وفاعل باتجاه مساواة حقيقية تحقق من خلالها حقها الأساسي كإنسانة مساوية ومتساوية مع أي إنسان أو إنسانة أخرى.


بسام القاضي، المشرف في "مرصد نساء سورية"، خاص بموقع رابطة المرأة العربية- فيينا، تنشر بالتعاون مع رابطة المرأة العربية، فيينا، مجلة بلسم، العدد 21

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS