كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
استشارة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

يجب أن أتخذ قراراً حاسماً. فالأمور تشابكت وتعقدت بسرعة وبدرجة باتت تهدد فيها وجودي ذاته. ليست هذه مبالغة أدبية أخرى. فأنتم تعرفون أن العقل البشري لم يصمم ليعيش في متاهة. بل فقط في خطوط مستقيمة. وفي بعض الأحيان في خطوط منحنية بملاسة. وحين يضطر إلى الدخول في متاهة ما يسارع إلى حلها وفق الخطوط المستقيمة والمنحنية تلك. مستعيناً بذخيرته الخاصة من التجارب.

 ثم بذخيرة الآخرين. وحين يخرج من الواقع إلى عالم التجريد فقط يستطيع أن يدخل ما يشاء من متاهات. فهناك، في عالم التجريد، يمكن لكل شيء أن يكون أي شيء. ويمكن، وهذا هو الأهم، أن يعيد ترتيب الأشياء مرة تلو أخرى. والتجربة مرة تلو الأخرى دون أي خوف من نتائج خياراته وأخطائه. لكن هنا، في الحياة، كل شيء بحساب. الكلمة التي ستقولها ستفهم بأوجه مختلفة ليس بالضرورة أن يكون ضمنها ما تقصده. والسلوك الذي ستمارسه سيكون له آثار ليست بالضرورة تلك التي هدفت إليها. وفي كل الأحوال، ما تفعله تفعله مرة واحدة فقط.
هنا، في الحياة التي تضج فينا ومن حولنا ماضيةً في اتجاهٍ واحدٍ، لا يمكننا أن نتجاهل تأثير تفكيرنا وأفعالنا في الآخرين. تماماً كما لا يمكن لنا أن نتجاهل تأثير تفكير وأفعال الآخرين بنا. وحين نحب الآخرين بالطريقة التي تناسبنا. ونقول الكلمات التي نعتقد أننا يجب أن نقولها. أو تلك التي نشعر بحاجتنا لكي نقولها. ونقدم الهدايا التي تسرنا. ونقترح المشاوير التي تريحنا. ونفرض القرارات التي تناسبنا. دون أن نتساءل: هل هذه الطريقة التي تناسب الآخر؟ هل هذه هي الكلمات التي ستفرحه؟ هل هذه هي الهدية التي يرغب فيها؟ هل هذا هو القرار الذي يناسبه؟ حين نفعل ذلك، لا نبتعد كثيراً عن النعامة. كذلك حين نكره الآخرين. ونعمل معهم. ونشاركهم. ونقاطعهم. ونعيش معهم بالطريقة ذاتها.
كان يمكن أن يكون الأمر سهلاً وبسيطاً لو أن العالم ما زال كما كان حين تعلمنا هذه الآلية: ضحلاً وفقيراً. مقسوماً ببساطة ووضوح إلى قوي وضعيف. القوي يسود بلا تفكير. والضعيف يُساد بلا تفكير. لكنه لم يعد كذلك. ولا أتمنى أن يعود كذلك. إذ يكفي أن أعيد التفكير بسنين قليلة ماضية فقط لأتذكر كيف كان جدي يستيقظ في الثالثة فجراً، أياً كان حال الجو، ويمضي إلى عمل شاق لا ينتهي إلا على مشارف الليل من أجل كسرة خبز وبصلة وصينية مجدرة حتى أشعر بقشعريرة تكتسح ظهري.
فإذاً! لقد تغير العالم! وعليّ الآن أن أتخذ قراري وأنا في داخل هذه المتاهة المدوّخة! قرار لا بد أن تترتب عليه نتائج عملية. قرار سيكون علي أن أدفع ثمنه (أو بعضاً من ثمنه على الأقل). لكن، ماذا في ذلك؟ هل هناك لحظة واحدة من حياتنا لا نضطر فيها لاتخاذ قرار ما؟ هل هناك قرار ما لا ندفع ثمنه أو بعضاً من ثمنه؟ حتى قرار الصمت، أو الانسحاب، أو الانتحار ندفع ثمنه. إذا والينا السلطة سندفع الثمن، وإذا عارضناها كذلك. إذا التزمنا بالأسرة فسندفع الثمن وإذا تركناها أيضاً. إذا عملنا وأَعَلْنا الآخرين وإذا جلسنا وأعالنا الآخرون. إذا أخلصنا في عملنا ومشاعرنا وإذا تكاسلنا وخنّا. إذا عرفنا وإذا جهَلنا. وإذا كنا سندفع الثمن أياً كان ما سنفعله، فكيف نختار؟
لم أصل إلى جواب. لكن فكرة ما عبرت متاهتي وأنا في المتاهة: ربما نكون جزءاً من هذه الحياة. بل الجزء الأكثر فاعلية. لكننا لسنا الأكثر عدداً ولا الأقدم وجوداً ولا الأكثر ضرورة لتوازنها. وعلى أية حال لن تتوقف السمكة عن السباحة، ولا النورس عن الطيران، ولا القطة عن المواء الحاد في شباط إذا توقفنا عن أن نكون موجودين. قد تكون الوردة هي الوحيدة التي ستبكي غيابنا. ستبكي غياب الأيدي التي تنقل إليها دفئاً مضطرماً في لحظة حب. وفرحاً مشعشعاً في لحظة نجاح. وحزناً كامداً في لحظة خيبة. لكننا نحن من يقرر دائماً مصائر الأجزاء الأخرى من الحياة. مصائر الأشياء. مصائر الأفكار. دون أن نتمكن من تقرير ما هو أهم لنا: مصيرنا. مع ذلك، ليس لدينا خيار آخر سوى أن نحاول.

*- جريدة "النور"- العدد (147)-  21/4/2004


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS