نعم. أنا قلق إلى درجة مفرطة هذه الأيام، إلى درجة أنني صرت أشتاق النوم، ليس من باب الراحة، بل من باب الحاجة الماسة للأحلام. هل يبدو الأمر غريباً؟ بل يبدو غريباً، بالنسبة لي على الأقل، أن يكون المرء على غير هذه الحال في هذه الأيام! إذ كيف يمكن لأحد أن يتوازن في هذا الشرّ القاسي والإحباط المريع الذي يحيط بنا في كل شيء دون الأحلام؟ أحلام النوم حصراً بعد أن عادت أحلام اليقظة لتصير لغماً موقوتاً قابلاً للانفجار في كل لحظة، مؤدياً بصاحبه إلى التهلكة.
لا تبحثي عن معنى التهلكة في القواميس. ستجدين الكثير من المعاني، لكنها جميعها معانٍ من تلك التي كانوا يسطرون بجانبها (ميتة)، أي لم تعد مستخدمة. تلك المعاني التي درستْها العاديات تحت سنابك الخيول والبغال، بدءاً من خلاخيل الجاريات في القصور القائمة على بيت المال حتى إثمار شجر الصفصاف إجاصاً في نهايات القرن العشرين! مروراً بالآغا والبيك والباشا، والسيد ذي المعرفة!
التهلكة أيضاً، ككل شيء آخر، عبرت صراط الحداثة لتأخذ معانيها الجديدة. تلك المعاني التي ترتدي أزياء أكثر ملاسةً من جلد أفعى، وأشد سماً من أنيابها.
التلهكة الآن ترتدي زيّ جيوشٍ جرّارةٍ استبدلت تماثيل امرأةٍ ترفع يدها اليمنى بتماثيل رجلٍ يرفع يده اليمنى. وشطبتني من قوائم الجديرين برعايتها (الإنسانية) حين رفضتُ دباباتها! وترتدي زيّ رجلٍ مجنونٍ لا يكفّ عن القتل تحت مباركةٍ لم يحلم بها أسلافه! التهلكة الآن ترتدي زي مؤسسةٍ دينيةٍ عظيمة الشأن تحرّم ديوان شعرٍ في الغزل الجسدي، ولا تجد مانعاً من التصريح أن من حقّ الرجل أن تطيعه زوجه إذا أراد أن (يستمتع) بمشاهدة فيلمٍ إباحي، (مع تفضيله أن يصور نفسه مع زوجه في تلك اللحظات الحميمة ليعود إلى مشاهدتها)! وترتدي زيّ خصوصيةٍ فُرّغت من كل معانيها السامية لتصير سجناً لا يحق لأحد التدخل في إدارته! وترتدي زيّ قراراتٍ تتحكم بحياتي تصدر اليوم لتلغى غداً! التهلكة الآن ترتدي زيّ أدباء ينجزون بضعة كتبٍ في العام الواحد ويشتمون انحدار الفكر والأدب! وترتدي زيّ اقتصاد سوقٍ لكل شيء فيه ثمنٌ غالٍ إلا إنسانيتي! التهلكة الآن ترتدي زيّ وحدةٍ قاتلةٍ في ازدحامٍ ملوّثٍ! وترتدي زيّ خوفٍ فادح من المستقبل والحاضر، والماضي أيضاً!
لكنني لم أعد أستطيع النوم. وخسرت فرصة التوازن بأحلامٍ سريّةٍ لا يمكن لأحدٍ أن يراقبها. وأشرفتُ، ككل كائنٍ يفقد التوازن، على الانهيار. وككل كائنٍ حيٍّ تحكمه غريزةٌ أساسيةٌ تدعى غريزة البقاء لا أستطيع قبول دماري الذاتي. على الأقل ريثما يحدث. وماذا إذا حدثَ؟ أي مشكلة ستترتب على دمار عضويةٍ من جنسٍ يضم أكثر من ستة مليارات كائنٍ من الجنس ذاته؟ لا شيء بالتأكيد. هذه العضوية مبرمجةٌ أساساً على دمارها الذاتي ذات يومٍ. ألم أعترف أن هذه البرمجة هي واحدةٌ من أعظم اختراعات الحياة، إن لم تكن أعظمها إطلاقاً؟ بلى. بالتأكيد. لكن ألا يختلف دمارٌ عن آخر كما تختلف زهرة عن أخرى! وهل إذا متُّ على فراش المرض هو كما إذا متُّ على كرسيّ التعذيب؟ وهل إذا توقف نبضي سعادةً كما إذا توقف قهراً؟
إذا كان الأمر كذلك فلنعد إلى تلك الغابة اللعينة التي خرجنا منها ولننه الأمر. لكنك تعرفين أن الأمر ليس كذلك. تعرفين أننا نعيش ليس لنخلد، بل لنمضي أيامنا بأفضل ما يمكن، ولنبني ما هو أفضل لمن سيأتي بعدنا. ولأننا هكذا لا يمكنني قبول ما أنا عليه الآن: مادةٌ خرساء للآخرين.