.. ولكنني مواطن. هذا أمر لا أتنازل عنه. ولا يقرره مسؤول لا يغادر كرسيه إلا إلى كرسي آخر أكثر طراوة. ريثما يأتي اليوم الذي سيتمدد فيه، ككل البشر، تحت التراب. لا تقرره قوانين موروثة من عصور غابرة في الزمن والحضارة وجدت حُماةً تماهوا مع دون كيشوت. ولا قوانين وضعت لتشد من أزري في المعركة وصارت تشد من أسري في كل حين.
لا تقررها أوراق كان يجب أن تنظم علاقاتي مع الآخرين، وصارت تقرر وجودي أو عدمه. لا تقرره ادعاءات ممثلي مايكروسوفت وجنرال موتورز وكوكاكولا المدججين بصواريخ التوماهوك وطائرات الشبح ومتعة تعذيب السجناء بحرصها على إنسانيتي. كما لا تقرره ادعاءات العقول المسطحة المدججة بمصالحها وفسادها ونهبها، بحرصها على خصوصيتي.
أنا مواطن هنا. لأنني ولدتُ هنا. تعلمت هنا. وكبرتُ هنا. أنا مواطن هنا لأنني أدفع الضرائب لهذا البلد. وأقوم بخدمة العلم في هذا البلد. وأرفع علمه. وأحمل هويته. وخاضع لقوانينه. لأنني أُذل إذا ذُلّ. وأفخر إذا فخر. أنا مواطن هنا لأن لي حقوقاً هنا حتى حين يحاول أحد ما أن ينتهكها. ولأن علي واجبات هنا حتى إذا حاول أحد ما أن يقصرني عليها. أنا مواطن هنا لأن هذا وطني. وهذا سبب كاف لأعمل هنا. وأحب هنا. وأموت هنا. وهذا سبب كاف لأقول لكِ إنني لم أعد أرغب في البقاء على الحياد كأن ما يجري لا يعنيني. لم أعد أرغب في البقاء على الحياد تجاه أي شيء، وكل شيء.
كل شيء يعنيني. كل شيء يقع أثره في النهاية عليّ أنا وأنتِ. علينا نحن. القوانين الصحيحة والقوانين الخاطئة والقوانين التمييزية والقوانين الاستثنائية. القرارات التي تحسن من وضعي المعاشي، والقرارات التي تدفع بي إلى الفقر والجوع. الديمقراطية التي تفتح إمكاناتي وتجبرني على المشاركة المسؤولة، والقمع الذي يحطمني ويجعلني مادة سلبية خاضعة للأقوى. المعرفة التي تمنحني القدرة على التطور والرحابة، والجهل الذي يسلبني القدرة على الفعل. الحب الذي يرفعني إلى مدارك الإنسان، والكراهية التي تحطني إلى مدارك الأشباح. كل شيء يعنيني لأن كل شيء يمارس عليّ. كل شيء يعنينا لأن كل شيء يمارس علينا. كل شيء وضع لكي نقوم نحن به. نحن من يحارب على الجبهة ونحن من يبني السدود. نحن من يفلح الأرض ونحن من يدير الآلة. نحن من يبيع الثياب ونحن من يشتري الخبز. نحن من يقرأ الجريدة ونحن من يكتب فيها. نحن من يشق الشوارع ونحن من يسير فيها.
ولأننا كذلك، لم يعد يمكننا أن نبقى على الحياد. الحياد الآن هو مشاركة فعالة في الجانب الآخر. مشاركة فعالة في التخلف والفساد والنهب. هو تأييد للقوانين التي عفا عليها الزمن والقوانين التي تنتقص منا. هو تأييد لبقاء الفقر والبطالة والثروات الطائلة المكدسة في جيوب البعض. بل أكثر من ذلك: الحياد الآن هو مشاركة فعالة في إضعاف هذا البلد الذي يمكن لضعفه أن يكون قاتلاً في زمن يكثر فيه القتلة.
يمكننا أن نفعل ذلك. نعم يمكننا جميعاً أن نفعل ذلك. ألم يُسأل فرعون ذات يوم: من فرعَنَكَ؟ فأجاب: لم أجد من يردعني؟ بلى. وحتى يجد من يردعه، حتى لا يبقى التاريخ يدور في الحلقة ذاتها، التاريخ الذي هو نحن، علينا أن نقف هذه المرة أمام كل فرعون، بغض النظر عن شكله وصفاته ومقاسه ووظيفته، لنقول له: كفى.
كفى. هذا الوطن وطني ووطنك ووطن كل من يعيش عليه. ليس لأحد فيه رأس دبوس أكثر مما للآخر. ليس لأحد فيه حق مقدس لا متوارث ولا إلهي. ليس لأحد فيه أن يحرم الآخر أو يمنعه أو يكفّره. ليس لأحد فيه سلطة مطلقة على أحد. القانون وحده، القانون العصري والديمقراطي وحده هو السلطة المطلقة التي لا يعلو عليها أحد.
كفى. هذا الوطن وطننا جميعاً. ليس لدينا وطن آخر لنترك هذا ونذهب إلى ذاك. ولن يأتي أحد من كوكب آخر، ولا بلد آخر ليصونه أو يعزه أو يحميه أو يطوره.
هذا الوطن وطننا. وهذه مسؤوليتنا. ونحن قادرون على ذلك.