من المثير حقاً أن نسمع رأي بعض الرجال في مفهوم "الشرف". خاصة حين لا يخطر ببالهم سوى ما يتعلق بالسلوك الجنسي المتعلق بالنساء! فهذا المعنى الخاص للشرف يتحرك عندهم وفق ما "يناسب" المصالح الذكورية دون أي اعتبار للقيم الإنسانية الحقيقية التي تجعل من الإنسان كائناً جديراً باسمه.
وبالتالي يمكن أن يصير "الشرف" عند هؤلاء أي سلوك لا يعجب الرجل المعني. فقد يكون طريقة في المشي، وقد يكون شكلاً للباس، وقد يصير كلمة تقولها المرأة، أو هاتفاً تجريه، أو حتى فكرة تخطر ببالها! هذا عدا عن اعتباره كل ما يتعلق بالمرأة هو "ملكه" الخاص الذي لا يحق لها التصرف به إلا وفق مشورته ورأيه، بضمنه اختيارها لشريك حياتها الذي ستعيش معه تفاصيل العيش اليومي الصعب، وتنجب معه أطفالاً، وتربيهم معه، وتحاول أن تتحمل الحلوة والمرة معه. فيصير مقياس الرجل هذا هو من يقرر إن كان هذا الرجل ملائماً لها أو لا! فإذا خرجت عن "شوره" عد شرفه قد انتهك وسارع إلى اتخاذ ما يلزم من أجل تحقيق ما يرى على حساب المرأة- الأم، والمرأة- الأخت، والمرأة- الزوجة..
إلا أن هذه الفئة من "الرجال"، وأضعها بين قوسين لأنها لا تحمل من قيمة هذه الكلمة سوى اسمها، بينما الصحيح أن تسمى "الذكور" لأن ذكوريتهم هي القيمة العليا لديهم وليس أياً من قيم الرجولة.. هذه الفئة تنسى وتتناسى أن الشرف لا علاقة له من قريب أو بعيد بسلوك الآخرين، من كانوا، بل بسلوك الشخص نفسه. فتراهم يفاخرون بأنهم يذهبون إلى عملهم متأخرين، ويهربون منه مبكرين، ويرتشون، ويسرقون، ويحتالون على أقرب أقاربهم وأعز أصدقائهم، ويضطهدون أولادهم باسم "التأديب"، ويقهرون النساء اللواتي يعيشون في محيطهن باسم "الرجولة".. بل إنهم لا يشعرون بأي حرج في أن يقفوا ليتفرجوا على تحرش أو اعتداء أو جريمة تقع أمام أعينهم بحجة "لا علاقة لي"!!.. ناسفين كل معنى لكلمة الشرف من حياتهم..
وإذا كان صحيحاً أن هذا المعنى لكلمة الشرف قد جرى تعميمه عبر نظام تربية معقد خاطئ، ويجري دعمه اليوم بأشكال مختلفة من قبل أناس لا يهمهم سوى تثبيت "سلطاتهم" باسم الدين تارة، وباسم الأخلاق تارة أخرى، ولو على جثث النساء السوريات اللواتي هن إنسانات ومواطنات لا يجب أن تقل حقوقهن قيد شعرة عن الرجال! إذا كان هذا صحيحاً من زاوية ما، إلا أنه لا يبرر لأي منا أن يتكئ على أنه "هكذا ربينا"، و"هذه قيمنا"، وهذه "عاداتنا وتقاليدنا".. إلى آخر هذه الحجج الواهية.. لأن كل واحد فينا لا يتوانى عن العمل بغير ما تربى عليه، ويعدل من القيم التي حملها من بيئته، ويغير ويطور من العادات والتقاليد التي تحيط به، بما يلائم تطوير حياته وحياة أسرته على صعد مختلفة، خاصة الاقتصادية منها.. ويبدو واضحاً هنا أن تلك الحجج ليست سوى نوع من النفاق الذي يهدف إلى اختيار ما يلائم "الذكر" دون أي اعتبار آخر..
الشرف ليس قيمة تؤخذ من الآخرين، بغض النظر عن مضمونه ومكوناته. بل هو السلوك الشخصي والنظام القيمي المترجم على أرض الواقع لكل منا. ويتعلق أولاً بسلوكنا تجاه حياتنا اليومية، وتجاه عملنا، ودورنا المجتمعي، وعلاقاتنا بالآخرين، واحترام الإنسان الذي نعيش معه... وحين نتعدى على حقوق الآخرين المادية، عبر اضطهادهم أو حرمانهم من حقوقهم أو تهديدهم أو الانتقاص من إنسانيتهم.. فإن شيئاً من الشرف لا يبقى لدينا مهما كانت حججنا وذرائعنا.
بسام القاضي، (حين يصير "الشرف" عاراً!)، جريدة الثورة، (5/5/2008)