كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
حيلة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

سيأتي يومٌ أستيقظُ فيه، لا يهم إن كان ذلك في الصباح الباكر أم في الضحى المتأخر، وأمدُّ يدي إلى ركوة القهوة، فإذا بالغلالة الناعمة والقوية لمنازل العناكب قد غطتها! ستقولين إن ذلك لا يهمُّ. حركةٌ يدٍ سريعةٌ، أو حركة مكنسةٍ إذا كنتُ أقرف من كائنٍ لم يفعل إلا ما يفيدني، وتعود الركوة جاهزة لاستقبالي مرة أخرى كما لو أنها جديدة!

وسأقول بحزنٍ إن يدي مشلولةٌ كما في كابوسٍ. أحاول مدّها باذلاً جهداً يكفي لتثبيت الصخرة على قمة الجبل، وإخراج النبي يونس من بطن الحوت، وإشاعة الحب في عالم الألفية الثالثة، ولكنه لا يحرك يدي المسبلة قيد أنملةٍ! لن تهدهدني حينئذٍ الصور المتناثرة على جدراني المطلية المتقشرة الألوان. لن يحميني الخراب الذي شاركتُ فيه، أو قبلتُ به. لن تسعفني الأجساد التي مررتُ بها دون أن أعيرها حتى التفاتة. وقد لا تكونين هناك لتشمّري عن ساعديكِ القويين!
سيأتي يومٌ تنفتح فيه أغلاق الذاكرة. فلا تعود الكلمات التي خبأتُها عميقاً في الظلام، بعيداً عن تلافيف دماغي وأعين الآخرين، قادرةً على الاستمرار في التخفي تحت طيّاتٍ من الأعذار والمبررات التي اعترفتِ ذات يومٍ أنني أتقنها، مثل كلّ هامشيٍّ آخر، أكثر مما أتقن الحياة. ستتوقف البئر التي مهرتُ في تمويهها أكثر مما مهرتُ في إظهار فرحي، عن استيعاب المزيد من الأسرار. وستطفحُ ناشرةً كل شيءٍ تحت شمسٍ قد تكون شمس آب! وقد لا يكون في بردى ما يكفي من الماء لاستعادة الأغنيات القديمة! بل قد لا تكون هناك أغنياتٌ قديمةٌ!
سيأتي بالتأكيد. قد يتأخر قليلاً حين تكون الحياة في غمرة ضجيجها وجنونها. قد يتمهل قليلاً إذا اشتم رائحة ولادةٍ ما. لكن، أنتِ تعرفين أنه لا ينسى أبداً أن يجيء!
ذات يومٍ باردٍ، كذلك اليوم، كتب أدونيس: (حتى الآن تُرسمُ الأرضُ إجاصةً. أعني ثدياً. لكن، ليس بين الثدي والشاهدة إلا حيلة هندسية: نيويورك)! هل نيويورك وحدها هي التي تغريني بالخصب والدفء قبل أن تنتصب على بقاياي؟ نيويورك كذلك بالتأكيد. لم تعد تكفي الشعلة المطفأة بنار الحروب قادرةً على إشاعة النور. لكنني أخشى أن تكون الحيلة الهندسية كامنة كبلّورة الفيروس في زاويةٍ ما مني، تنتظر اللحظة الملائمة لها لتنطلق في الحياة محوِّلةً حياتي إلى بلوراتٍ! كيف لي أن أعرف؟ لا كما عرف آدم حواء، ولا كما أشرق ابن الفارض، ولا كما تأملتُ في الزنزانة. بل كما عرفتْ جدتي أن هذه الريح تحمل المطر. وكما عرف أبي أن هذا البيت إلى خراب. وكما عرفتُ أن كل ما ستتركه هذه الكلماتُ وراءها هو حبرٌ طباعيٌّ سيئٌ سيبهت يوماً تلو الآخر! كيف لي أن أعرف، حين يأتي ذلك اليوم الذي سأقف فيه وجهاً لوجهٍ مع صورتي، ليس في المرآة، بل في عيوني التي أغمضتها بشدة، ما الذي سأقوله؟ كيف لي أن أعرف كيف سأبقي جفوني مفتوحةً ما يكفي من الزمن لأرى، وأعرفَ؟

*- جريدة "النور"- العدد (151)-  19/5/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS