كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان
اعتذار طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

حكيتُ لكِ ذات يومٍ كيف أن العالم مليء بالقسوة. ليس لأنه خُلق هكذا: من صوان لا يعرف الرحمة ولا اللين، من سلطةٍ متخفيةٍ في زيِّ خادمٍ، وجيوشٍ متلطيةٍ خلف الحرص على الأمن. من فقرٍ يُسمى كسلي، وجهلٍ يُسمى نصيبي. بل لأننا حولناه إلى صوان، ورفضنا، بكل غرور الكائن الذي اعتقد أنه امتلك عالماً ما يزال بحاجة إلى كل بعوضة فيه، أن ننفخ فيه الرحمة واللين.


حكيتُ لكِ أيضاً كيف أن الحرية هي حقلٌ من السكاكين المشرعة. ليس لأنها قاطعةٌ. ليس لأنها تؤدي إلى الفوضى كما يدعي من يملكون الحرية ووسائل قتلها. وليس لأنها غريبةٌ، كما يدعي الذين يخفون حقائق تاريخنا. وليس لأنها تحقق الفردانية على حساب الجماعة كما يدعي الذين لا فردانية لهم ولا جماعية. بل لأنها بالغة الرهافة إلى الحد الذي يمكن أن تجرح فيه كما يجرح خيط الحرير.
وحكيتُ لكِ أنني متعبٌ. ليس لأنني ضعيفٌ لا أقدر على حمل جمل المحامل. وليس لأنني خائفٌ مما كان أو سيكون. بل لأن إصراري على أن لا أكون نسخةً أخرى هو أشد الأمور صعوبة في عالم الاستنساخ هذا.
وماذا حكيتُ أيضاً؟ ألم أحكِ لكِ عن أحلامي بالعدالة والمساواة؟ بالشبع والفرح؟ بالتحقق والمشاركة؟ وبكل ما حرمتُ منه منذ أحنيتُ رأسي تاركاً للآخرين أن يقرروا متى علي أن أرفعه؟
حكيتُ لكِ الكثير. حتى إنني خشيتُ أن تضعيني مع أولئك الذين يحكون كثيراً ليخبئوا ما لا يجرؤون على إظهاره! أولئك الذين تعني القوة لهم عدد الضحايا المنثورة في الطريق إلى ما يريدون! وتعني الحرية لهم تلك المسافة الملتبسة بين منعها عنهم ومنعهم إياها عن الآخرين! تعني السلطة لهم خضوع كل مَن بين أيديهم! وتعني الراحة لهم خلودهم الدائم!
حكيتُ لكِ كثيراً. هذا صحيح. لكنني نسيتُ، مع ذلك، أن أحكي لكِ عن الياسمين الذي يعبق في الصباح الباكر ناشراً فرحاً طاغياً في الروح. الياسمين الذي نزرعه نحن، والصباح الباكر الذي نستيقظ نحنُ فيه. عن فنجان القهوة الذي يمكنه أن يزيح كوابيس الليل الطويل، ويجعل كوابيس النهار أخفَّ وطأةً. عن سعادتي وأنا أرى عينيك تبتسمان (عيناك اللتان لم تتوقفا عن الابتسام مهما كانت حماقة العالم). وعن الكلمة الحلوة التي تجد، دائماً، طريقها إلى كل زاويةٍ في قلبكِ (قلبك الذي اتسع دائماً لحماقاتي).
لماذا نسيتُ ذلك دائماً؟ لماذا نسيتُ أنه يمكنني حلحلة أشد الأمور تعقيداً بهمسةٍ؟ وأن أنير أكثر الظلمات حلكةً ببسمةٍ؟ وأن أمسح كل تعبكِ المرهِق بنظرةٍ واحدة؟ هل لأن العالم قاسٍ والحرية حقل سكاكين ماضيةٍ وأنا متعبٌ؟ لا يكفي ذلك. لا يكفي لتبرير كل هذا الجنون! لا يكفي التاريخ كله ليبرر لي قول كلمةٍ جارحةٍ كان يمكنني أن لا أقولها دون أن أخسر شيئاً! كما لا يكفي المستقبل كله ليسامحني بقتل وردةٍ لم يجد البشر حتى الآن سبباً لقتلها! لا تكفي حجةٌ على وجه الأرض لجعل الألم الذي سببته لكِ، عادياً! ولا يوجد ابتهالٌ بشري يكفي لغفرانكِ لي!
لستُ أدري إن كنتِ تسمعيني الآن. بل لست أدري إن كنتِ راغبةً، أساساً، في سماعي. مع ذلك أرغب الآن في أن أستمر في الحكي. وفي أن أقول، ليس همساً، إن كل ما فعلته وأفعله هو مسؤوليتي. مسؤوليتي أنا الموجود الآن في زمانٍ ومكانٍ محددين. بعقلٍ وجسدٍ معينين. وبروحٍ تدخل الكثيرون في صناعتها، لكنها وحدي المسؤول عنها. صحيحٌ أننا محكومون بالخطأ. محكومون بالنقص. ولكننا محكومون أيضاً بالرغبة والإرادة.

*- جريدة "النور"- العدد (152)-  26/5/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS