مضى عام منذ رحل "لولو".. نقياً كغيمٍ في ربيعٍ لم يعد يأت! ورائقاً كامرأةٍ ناعسةٍ في حضن حبيب قرضته الروايات! وصامتاً كسجينٍ لم يعد يميزُ صوتَ حبات المطر على السطح التنكي البعيد، من صوت دقات قلبه التنكي القريب! لكنه مضى، مع ذلك، دون ضجيج! وبدلاً من أن يستيقظ في الصباح، كعادته، فيوقظني.. تمدد جانباً.. وتركني!
أنتم لا تعرفونه! فهو لم يستطع أن ينافس الأشرطة المسجلة والمدبلجة للظواهري وهو يحرك العالم بسبابته اليسرى كما لو كانت قرني الثور! ولا الحضور الطاغي لهيفا وهبي وهي تصوغ ملامح ثقافة ليس فيها من جديد إلاي!..
هو لم يجد مكاناً على الشاشات الصغيرة بين بقايا الجثث المصورة بوحشية وهي تُنتزَعُ من تحت ركام قنابل الطائرات الممهورة بفردوس الحرية! لا كاتيوشا المدافع الممهورة بفردوس الله! ولا الرصاص الممهور بالاستقلال أو بالاحتلال! فهو لم يعرفها، ولم يهتم بأن يعرفها.
وأيضاً هو لم يجد له مكاناً بين الحشود المزركشة لقمم فارغة! ولا بين الوجوه المستديرة والدقيقة، الكروش المندلقة والمختبئة تحت "دشاديش" أو بدلات سموكن! ولا بين الصدور العارية في افتتاحات واستقبالات تشي بما تشي حين ستطفأ الأضواء.. أو، قبل أن تطفأ، في غرف جانبية معدة سلفاً!
لا.. أنتم لا تعرفون "لولو"! فقد رحل قبل عام من الآن.. دون أن تلتفت إليه رويترز المشغولة بأول عشرة أغنياء في العالم! ولا سانا المشغولة بمن استقبل من! لا "الجزيرة" الباحثة عن تسميات جديدة لمسميات قديمة! ولا "العربية" الذاهبة حيث لم يذهب إعلام من قبل! لا "المنار" المستغرقة في تظليم خدّ! ولا "الـ LBC" المشغولة بتظليم خدّ آخر! لا "الـ MBC2" التي يشاهدها الجميع بحثاً عن اللاشيء! ولا "السورية" التي لا يشاهدها أحد وليس فيها شيء!
فهو لم يكن الرجل الذي عض كلباً! أصلاً لم يكن الرجل ولا الكلب.. لم يكن الرجل الذي تنقّط دراهمه دماءَ ودموعَ مَن رُمي في جورة الجوع! لم يكن الرجل صانع البارود، ولا مالكه، ولا تاجره، ولا مستعمله الذي يحرك شفتيه فتنفرج البلاد! أو يقطب حاجبيه فيلتعن فر...ها! هو لم يكن الرجل الممل السكير المقامر بأوراق شدة هي حياتنا! ولا الرجل الطيب المسكين القادر على إثبات حدّ الحدود بقطع الرقاب بسيف بتّار يضرب به وجهٌ أجبن من أن يُظهر وجهه!
لا.. لم يعد بإمكانكم أن تعرفوه! فقد رحل قبل 365 يوما من الآن.. فهو لم يتمتع بشعبية على الانترنت.. إذ لا يمتلك انفراجة ثغر مارلين مونرو، ولا بياض أسنان كونديليزا رايس! لا عيون ستالين الثاقبة، ولا شوارب هتلر المقصوصة! لا برودة اعصاب بن لادن، ولا حرارة متفجرات الزرقاوي! لا الدبلوماسية المفذلكة الناجحة لأمراء الخليج، ولا الدبلوماسية المفذلكة الفاشلة لأمراء ما خارج الخليج! لا صرامة الملتحين المبشّرِين بالجنة السماوية، ولا صرامة الحليقين المبشرِين بالجنة الأرضية!
لا.. بدون أسف، هو ليس امرأة ولدت عشرة توائم في إثبات نهائي لفن المعجزات! وليس تيساً ثبت علمياً أن حليبه يشفي من كل مرض! ليس دليلاً قاطعاً على أن النزول إلى القمر كذبة كبيرة، ولا دليلا قاطعا على أن القمر، بنفسه، كذبة أكبر!
لا.. لم يكن له مكان في هذا العالم الافتراضي، لا مقروء ولا مسموع ولا مرئي.. حيث لا مكان إلا للـ"كبار".. كبار الرأس.. كبار الموت.. كبار الحطام والكذب والنفاق.. هؤلاء الذين يرفعون مؤشر المشاهدة، وعدد النسخ والزوار والمستمعين..
لذلك.. مضى.. قبل 8760 ساعة من الآن.. أبيضاً كالأحلام الرقيقة التي حكوها لنا في حكايات الطفولة، ولم يعلمونا كيف نحلمها.. وهادئاً كتنفس طفلٍ في آخر رشفات رضعته من ثدي أمه المترع.. وحزيناً ككل من صباحاتنا المكررة الممجوجة.. تاركاً صوته العميق الرقيق الذي لا يسوّد مانشيتات الصمت المشغولة بتبديل أهدافها كما تبدل اللعوب أحذيتها! ولا يلون مواقع الانترنت الغارقة في السرقة وإعادة السرقة غرق المنقبين عن بقايا أرواحنا الممزقة أصلاً! وطبعاً لا يضج في صراخ الإذاعات المتهلفة على بث دعوات القتل باسم الحب، وباسم الله، وباسم الأمة والوطن والشعب والحرية وأنا..
صامتاً مضى "لولو".. قبل عام من الآن.. قبل حياة من الآن.. قبل آن من الآن.. أبيضَ كما اشتهيت أن تكون روحي.. نقياً كما لم تلدني أمي.. ورائقاً كما لن أكون أبداً..