|
الكاتب بسام القاضي
|
|
Wednesday, 09 July 2008 |
هكذا يقولون. وأنا لم أعد أضع أحداً ممن "يقولون" في ذمتي منذ حاولوا إقناعي أن الجيش الفرنسي العرمرم قد قرر غزو (أم فتح؟) الجزائر بناء على "لطشة" من مكشة الذباب! فرغم أن للذباب حظ لم يحظ به أحد، أن يكون تسلية لملكة جميلة وناضجة وناضحة بالرفاه والتوق.. إلا أنه لم يكن ليخطر بباله أي مصيبة سوف يتسبب بها لاحقاً لبلد غرق في الدم حتى ركبتيه الطويلتين، وما زالي يغرق، مثله في ذلك مثل بلداننا جميعا التي تتغنى بـ"الوحدة الوطنية" القائمة على وحدة "المهاجع"!
إلا أن قدموس لم يحضر ذلك طبعاً. فهذا "العظيم" التائه بحثاً عن شقيقته المخطوفة والمحبّلة من من كبير الآلهة (ولم يكن التحبيل وقتها إثما ولا عاراً يستحق القتل!)، تلقى من حسن الضيافة ما تلقاه حيثما حلّ. حتى إنه تزوج أيضاً وأنجب سلاسة شغلت الآلهة ومن لف لفهم من الندماء وقتاً طويلاً قبل أن يخرف الذي كان شاباً ذات يوم وينتهي نهاية كل عجوز.. بل كل إنسان.. بل كل ما يدب في الأرض والسماء: الموت!ومع أن أبناء القدموس يعرفون ذلك جيداً، فهم ما زالوا يتفصدون عرقاً طيباً وهم يزرعون أرضهم الصعبة، ويشقون ليل نهار في استخراج البذرة من شق الصخر، ويكافحون في حياة لم تعد تشبه شيئاً قدر شبهها بالأشغال الشاقة الأبدية يحكم بها قاض لا يزول، إلا أنهم لم يكونوا على علم بكيف سيستخدم اسم أرضهم الغالية ذات يوم!لم يكونوا يعرفون أن اسطولاً من الباصات سوف يحمل اسمهم في كل مكان، اسطولاً من الجبروت يعتبر نفسه فوق كل مواطن ومواطنة في هذا البلد، ويعتبر كل مواطن ومواطنة في هذا البلد مجرد بقرة يحلب منها ما يزيد مما يكنزه في أقبية لا يعلم بها إلا الله! لم يكونوا يعرفون أن القدموس سوف يصير اسماً لمن لا يقيم اعتباراً لإنسان إلا بمقدار ما يمكنه أن "يدفع"! هذا حقيقي.. فتجربتي مع "القدموس" لا تسر الخاطر.. جله تعرفونه لأنكم تعرضتم له بالتأكيد. لكن لا أعرف إن كنتم ركبتم ذات يوم في أحد هذه الباصات، وخرج بعد تأخير نصف ساعة دون أن تجدوا من يقول لكم لم هذا التأخير، وبعد أقل من خمسة كيلومترات يتوقف في محطة وقود لأكثر من ربع ساعة ولا من يقول ما الأمر.. فمن أنتم ليقول لكم أحد لم أنتم متوقفون؟! ومن ثم يأتي شاب بوجه متجهم ويدين وسختين ليقول، كما كانوا يقولون أيام الهوب هوب بالضبط: يالله يا شباب انزلوا على الباص التاني!! ما قصة الباص الثاني؟ وما قصة الباص الأول؟ لا علاقة لكم.. فأنتم مجرد رعاع عليكم أن تدفعوا ثمن خدمة لم يقدم لكم منها سوى النذر اليسير.. وإياكم ثم إياكم أن تحتجوا.. لأنني حين احتجيت.. ووصل الصراخ حتى أقاصي المحطة.. وجدت نفسي متروكاً في أول استراحة والتي اختصرت إلى خمس دقائق لم تكفني لدخول الحمام!!والقدموس، ذاك الذي احتل كورنيش بانياس ذات يوم، وليس ذاك الذي نقل الأبجدية إلى اليونان، هو نفسه الذي يرمي زبالة بولماناته، تلك التي يجب أن ترمى في مقبرة السيارات، إلى حيث يعتقد أن البشر أقل من مستواه.. جربوا أن تذهبوا بالقدموس إلى الرقة وانظروا أية بولمانت مخصصة للمنطقة الشرقية؟ جربوا أن تركبوها إلى بانياس أو جبلة.. وتأملوا!!والقدموس، هي ذاتها الشركة العملاقة التي لم تعد تصدق أن لكل بداية نهاية، هي الوحيدة اليوم التي تحجز المقعد نفسه في البولمان نفسه في الرحلة نفسها لأكثر من شخص، وعلى من حجز له أن يحل مشكلته بنفسه، لأن أحدا من الموظفين أو الموظفات، المديرين ومديري المديرين، لن يستطيع رؤيتك حتى يرد عليك!! على الأقل عشر مرات حدثت هذه المشكلة أمامي مباشرة.. عداكم عن ما سمعته من آخرين..والقدموس، حيث لا قدموس، هي أكثر شركة تراكم أعطالها في بولماناتها ضاربة بنا عرض الحائط. فلا بأس أن ينفجر كل يوم إطار لبولمان، أو أن يتعطل على زاوية الطريق.. ولا تفكروا أبدا بأن تتلقوا أي اعتذار أو توضيح.. وإذا لم يعجبكم أن تنتظروا ساعات عسى أن ترسل الشركة بولمان آخر يقلكم، فيمكنكم أن تجدوا حلولكم الخاصة..والقدموس، حيث سرق اسم قدموس، حيث ستجد مرافقين يعطوك كأس الماء كأنك حشرة ما تتسلق مكاناً ليس لها! وهم أنفسهم المرافقين اللطيفين الذين تعرفهم حين يغادرون عملهم وتجلس معهم لساعات تتبادل معهم أطراف الحديث الجذاب..والقدموس.. الشركة التي تظن أنها فوق القانون وفوق النقد، ها هي اليوم تشرع سيوفها المثلومة في وجه من يتجرأ على كشف واقعها.. ها هي اليوم تحارب من تجرأ على أن يقول لها: كفى! ولكن، لعل القدموس، الشركة وليس الملك ابن الملك الذي بنى كادميا ورعى حضارة فيها، تنسى دائما أن عصر الخوف، وإن كان ما زال عصرنا، لم يعد أسوداً كما في رؤيتها.. بل إنها لم تعد تستطيع أن تخيف أحداً.. ولتذهب إلى أي مكان تريده.. وخاصة لتذهب إلى المحكمة.. ففي المحكمة بشر هم أبناء بلدنا الذين لن يقبلوا أبدا أن يعطوا أحدا سلطة فوق سلطتهم.. سلطتهم الوحيدة التي هي سلطة النزاهة والعدالة.. وهي الوحيدة التي تستطيع دائما أن تذكر من نسي.. بما نسيه.. بسام القاضي، حكايات مملة، النزاهة نيوز، 18/6/2008، قدموس يا قدموووووووس!
|