سقط البارحة في حديقتي المهملة الصغيرة سنونو أسود. بينما كنت جالساً أشرب فنجان القهوة تحت عريشة العنب المريضة. هوى فجأةً من طيرانه السريع والممشوق في سماء الغروب. سارعت إليه معتقداً أن أحداً ما أصابه بحجرٍ أو طلقةٍ من تلك التي تستخدم في بندقية الضغط. لكنه كان هامداً تماماً. قلبته هكذا وهكذا دون أن يبدي أي حراكٍ. كان ميتاً!
للسنونو مكانٌ خاصٌ في ذاكرتي. فالخريف في أيام الطفولة كان يعني سماءً من الغيوم الرمادية تجوبها أسرابٌ من أعدادٍ هائلةٍ من السنونو وهي تزقو بصوتها الحاد والسريع كطيرانها. ثم قرأت قصة الأمير والسنونو الذي غفا على أقدام تمثال الأمير. وحين استيقظ رأى دموعه التي يسكبها على أبناء مدينته البؤساء. فبقي يأخذ من تحف التمثال (درة تاجه، عينه الياقوتية..) حتى لم يبقَ منها غير الحجر الأصم وقد صار التمثال أعمى. وحين جاء الصباح التالي كان الثلج قد حلّ مغطياً السنونو الذي لم ينهض بعد ذلك. بعدئذ قرأت قصيدة السنونو لجاك بريفير وهو يحكي قصة الأمير والسنونو برقةٍ سوداء يصعب الامتناع عنها.
حين حكيت هذه الحكاية بتفاصيلها المملة لصديقي المهتم بعلم النفس إلى الدرجة التي ملّ فيها من تحليل البشر، ففكر بالبحث عن جوابٍ لسؤالٍ غريبٍ: لماذا يقلب النمل الصرصار الميت على ظهره قبل أن يشرع في تجزئته وجرّه إلى مملكته؟ حين حكيتها له، قال لي إن السنونو هو أحد أهم رموز الحرية. فهو طائرٌ أولاً. سريعٌ ثانياً. رشيقٌ ثالثاً. يهاجر باستمرارٍ رابعاً. يبني بيوتاً مستقرةً خامساً..
حرية! ربما كان الأمر كذلك. فالشعراء والأدباء والتشكيليون، وأخيراً السينمائيون يصورون الطيور دائماً على أنها تمثل الحرية. لكن أليس في الأمر شيء من المبالغة؟ فالسنونو، وكل أنواع الطيور، لا تعرف، ولا تستطيع أن تمضي حياتها مشياً! وحين تحط بين الفينة والأخرى على الأرض، فإنها تفعل ذلك لأمر طارئ تحتاجه للشرب أو النوم أو التكاثر. بينما هي محكومة بأجنحتها. بالتحليق على الدوام. ببذل كل ذلك الجهد الكبير في تحريك أجنحتها لتبقى في الهواء. ونحن، ألا نفعل الشيء ذاته بشكلٍ مختلفٍ؟ خاصة الآن بعد أن اخترعنا الطائرة ومكوك الفضاء؟ نحن أيضاً لا نستطيع أن نمضي حياتنا في السماء. بل نفعل ذلك لأمر طارئ نحتاجه للسفر أو المتعة أو الاكتشاف.
ما الفرق إذاً بيننا وبين السنونو؟ هو مجبر على مفارقة الأرض دائماً. ونحن مجبرون على الالتصاق بها دائماً. دون أن يمنع ذلك من اختراق طفيف ومؤقت هنا أو هناك؟ يبدو لي أنه لا فرق بيننا. كلانا مسجون في قدر واحد: لكل منا سجنه. وحتى تتلاشى قضبان سجن ما في تحوله إلى حرية، يجب أن يكون الخيار قائماً: أن أطير وأن أحطّ. لا أن أطير أو أن أحطّ! أن أعيش هنا وهناك. لا أن أعيش هنا أو هناك! أن ألتزم بأمر ما، وأفعل فعلاً ما، وأمتنع عن آخر، لأنني أريد أن ألتزم به، وأفعله، وأمتنع عن فعله. لا لأنني مجبر على ذلك. سواء في ذلك مسميات الإجبار كلها.