حين قررت أن أتعلم السباحة، كان عمري نحو الـ 11 سنة، وكان كل رفاقي يعيرونني بأنني أعيش في مدينة ساحلية بامتياز دون أن أعرف السباحة. اتفقت مع ابن جيراننا الذي يكبرني بعدة أعوام على أن يقوم هو بهذه المهمة الشاقة، فوافق مباشرة.
ذهبنا إلى المسبح الصغير الوحيد في البلدة الصغيرة، والذي يحتوي حوضاً دائرياً صغيراً للأطفال، وآخر كبيراً مستطيلاً للكبار، وثالثاً مفتوحاً على البحر. وقفنا أمام الحوض الصغير وحاول ابن الجيران أن يريني كم هي سهلة السباحة، لكنني بقيت على ترددي وخوفي. نزل أمامي إلى الماء وخرج، ولم (أقتنع)، فما كان منه إلا أن (غدر) بي ورماني دفعة واحدة إلى الماء.
ما إن لامست يده ظهري حتى بدأت بالصراخ، وشعرت أنني أهوي دون أن أصل إلى قعر، وحين دخلت الماء بعد دهر طويل، ظننت أنني دخلت نفق الموت، وأن لا شيء سينقذني مما أنا فيه. رفعت صوتي إلى آخر درجة أستطيعها، وخبطت الماء بيديّ ورجليّ في محاولة يائسة للنجاة من الغرق. لم يتقدم أحد أبداً لنجدتي، ولم أنجح في الإحساس بأنني خرجت من الماء. ثم فجأة تناهى إلى سمعي أصوات قهقهة أثارت استغرابي للحظة كانت كافية لأفتح عيني، فإذا بي جالساً في الماء ولا يصل الماء إلى أكثر من كتفي الصغيرين!!. تلاشى صوتي شيئاً فشيئاً، واحمر وجهي، ثم ضحكت من كل قلبي، وبسرعة شديدة تعلمت السباحة وانتقلت - ككل الآخرين - إلى الحوض المفتوح على البحر الذي كان يثير أشد المنافسة والمتعة.
منذ ذلك اليوم، والأحواض الجديدة تخرج لي عند كل منعطف، ككل من يعيش في هذا البلد السعيد. أحواض الأهل والحب والزواج والأسرة، أحواض الإيجار والعمل والراتب، أحواض الحرية و الديمقراطية، أحواض الاشتراكية والرأسمالية، أحواض القطر والأمة والهوية، أحواض من كل لون وشكل. وفي كل مرة لا أستطيع إلا أن أتذكر ابن جيراننا ذاك، وأخاف أن أنتظر حتى أتلقى دفعة غامضة قسرية من خلفي، فأسارع (طوعاً) للخوض في تلك الأحواض،
وتعلم مجاهلها، وأكتشف مرة وراء أخرى أن كل الأحواض لا تملك سوى أن تخيفنا.