في فيلم الاتصال (Contact) يتفق عالم لاهوتي مؤمن وعالمة فلك ملحدة على أنه (إذا لم يكن هناك حياة أخرى في هذا الكون غير حياتنا، لكان ذلك هدراً كبيراً للمكان).
هذا التصور يقيم (الحياة) غاية الأشياء ومبررها، فلا معنى لوجود الكون ( ملايين المجرات ومليارات النجوم والكواكب والعلاقات بينها وقوانينها…) إذا لم (ينتج) حيوات تتناسب مع هذا المكان الهائل.
بحكم إحساسنا بمحدوديتنا، بضآلة حياتنا أمام هذا الاتساع ، ينبثق توق شديد للبحث عن حياة أخرى في مكان ما من هذا الكون، أياً كان اختلافها أو اتفاقها مع ما نحن عليه، توق للاتصال بها، لاستكشافها. ولأن أحداً لا يعرف إن كانت موجودة أم لا، قال اللاهوتي في الفيلم: (أنا وعالمة الفلك نبحث عن الحقيقة).
هناك أطروحتان في هذا القول.
الأولى أن (الحقيقة) ليست مطروحة هكذا أمام الأنظار بحيث أنه يكفي أن أعتقد أن أمراً ما هو كما أراه حتى تصبح رؤيتي هي التعبير عن الحقيقة.
الثانية- وربما الأهم- هي أن الحقائق، والكبرى بشكل خاص، تحتاج إلى دروب مختلفة تتكامل في عملية البحث.
يختلف الإيمان والإلحاد كثيراً في الوسائل، لكل منهما أدواته الخاصة، في البحث عن الحقائق، وفي قراءتها، وفي تطبيقها أيضاً. ويتفقان في أن هدف كل منهما هو البحث عنها. لذلك سمى اللاهوتي الطرف الآخر باسم اختصاصه (عالمة الفلك)، وليس بالصفة العقائدية له (الملحدة).
قد لا تكون ( بدعة غربية) أنه يمكن للمؤمن والملحد أن يتفقا، وأن يعملا معاً، يتحاورا، ويتبادلا المعارف. فقد مرت فترة مهمة من تاريخنا العربي الإسلامي كان فيها الجميع- من مختلف المشارب والانتماءات والاختصاصات- يبحث عن الحقيقة، متحاوراً ومتبادلاً للحجج والبراهين، قبل أن يعلق السيف حارساً ( لحقيقة) وحيدة ونهائية. قد لا تكون تلك بدعة غربية، لكنها ( بدعة) بالتأكيد، فمن غير أمريكا المدججة بالسلاح يمتلك حقيقة الإرهاب!؟. ومن غير اسرائيل يمتلك حقيقة السلام!؟. ومن غير الظلاميين المدججين بالتاريخ يمتلكون حقيقة الله!؟. ومن غيرنا المدججين بالفقر والاستلاب يمتلك حقيقة الخصوصية والأصالة!؟.