منذ زمن طويل وأنا أحمل حساسية خاصة تجاه أية شتيمة توجه أمامي إلى هذا البلد، حتى تلك الشتائم التي لا تعني أكثر من لحظة غضب على ظرف قاس يشد الخناق على الأرواح دونما أمل. لكن عندما صرخت السيدة س بوجهي: (...... عليك وعلى هذا البلد)، لم أشعر بالدم يتدفق في أذني، ولم أقل سوى كلمة واحدة : (ولا يهمك).
مضت ثلاثة أعوام على السيدة س وهي تبحث عن عمل، بعد أن تخرجت من أحد المعاهد، طرقت كل أبواب المعارف والأصدقاء والأقارب، تقدمت إلى كل المسابقات الرسمية ( الحقيقية جداً) التي يعلن عنها ولديها أرشيف كامل لجريدة الدليل - الجريدة الوحيدة في البلد المختصة بالإعلانات بما فيها (مطلوب للعمل)، وهي تستند صباح كل سبت على جدار وتبدأ بالتأشير على أرقام الهواتف التي تطلب إناثاً للعمل، ثم تبدأ رحلة الاتصالات، فالمواعيد، ثم خيبة الأمل، وأخيراً دمعة على المخدة.
منذ حوالي السنة تلقت وعداً بتأمين وظيفة في القطاع العام، مقابل (المعلوم)، ذلك القطاع الذي رغب الوظيفة فيه كل طويل عمر، لسبب واحد أنه يؤمن معاشاً تقاعدياً، كما يقال حفت السيدة س كي تستدين المبلغ المطلوب (خمسين ألف ل.س) على أمل أن تسدده بطريقة أو بأخرى بعد أن تتوظف. قدمته في ظرف أنيق إلى الرجل الأنيق في بيته الأنيق، فهكذا أمر لا يجدر أن يتم في مكان العمل بالتأكيد، ثم توكلت على الله، ثم على الرجل وانتظرت.
مضت شهور طويلة وهي تنتظر أن يأتيها الخبر الأبيض ، فتشعر أنها صارت سيدة نفسها بعد هذا العمر الطويل. لكن الخبر لم يأت، وكلما سألت عما جرى، جاءها الجواب ذاته: (ألا ترين الأوضاع في البلد الآن؟ انتظري قليلاً فقط). وتنتظر، بينما الذين قدموا لها المبلغ (الدائنون) لا يكفون عن التلميح لها أنها تعرف (البير وغطاه)، حتى جاء يوم فقعت فيه مرارتها التي كانت قد استأصلتها من قبل، فذهبت إلى البيت الأنيق وتحدثت بهدوء، ثم بشيء من العصبية، ثم علا صوتها، ثم هددت، يبدو أنها نسيت ما يعرفه الرجل الأنيق جيداً من أنها غير قادرة على إيذاء بعوضة بحق أو بغير حق، وإلا لما كانت بحاجة له، فقال لها بهدوء الرجال المهمين والواثقين من أنفسهم: (بلطي البحر).
المشكلة أن البحر كان قد بلط منذ وقت طويل، منذ أن ردم شاطئ اللاذقية الشهير، ولم يعد في إمكانها أن تبلط سوى روحها، حاولت أن تلجأ هنا وهناك لتستعيد أموالها الضائعة، لكن أحداً لم يفدها بشيء، فلا الرجل يطال، ولا شيء يثبت ماجرى.
التقيت السيدة س منذ بضعة أشهر، كانت تصرّ أغراضها القليلة استعداداً للسفر خارج البلد، تساءلتُ بدهشة كيف ستتمكن من العيش هناك ، وذكرتها باهتماماتها التي تفقد معناها خارج هذا البلد، فما كان منها إلا أن رصعتني بتلك الشتيمة التي لم تحمر أذني لأجلها.