كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان
صعود طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ذات خامس من حزيران، صعدت الطائرات الغريبة لتقصف وتدمّر وتنشر الخراب قبل أن تلحقها الجيوش السوداء لتحتل الأرض. لم أكن حينئذ إلا طفلاً صغيراً تعلم بالكاد بضعة كلمات ليقولها بارتباكٍ وسط إعجاب الأهل بالمعجزة التي تتكرر كل يوم ملايين المرات على وجه الأرض دون أن تفقد نكهتها!


منذ ذلك الحين، مر وقت طويل مليء بالحروب والهزائم وشبه الانتصارات، مر وقت مليء بالخوف والقلق والاحتمالات المشوهة، مر وقت عاصف بالأمل والأحلام الكبيرة! مرّ كل ذلك في طريق واحد بالغ الالتواء والتشعب، بالغ الخصوصية والتعقيد، وغير قابل للشرح النهائي: حياتنا! حياتنا التي نمضيها ببساطة شديدة إلى درجة التفاهة أحياناً ونحن سعداء بها سعادة لا توصف، وأحياناً أخرى نمضيها في تعقيد متشابك ونحن متعبون منها تعباً لا يحتمل!
ربما كان علي في ذلك اليوم البعيد زمنياً أن أشاهد، دون أن أرى وأبصر، هزيمةً قاسيةً! وكان علي أن أتلقى وأحتمل، كما الجميع، كل نتائجها التي لم تجد طريقة لتتغير. ربما تلقيتها هي، وكل ما جرى بعدها بطريقتي الخاصة. فهمتها بعقلي الخاص. تأثرت بها بمشاعري الخاصة. تماماً كما فعل أي واحدٍ آخر. وكما يفعل كل كائن حي أمام حدثٍ عامّ جلل. أليس هذا هو الأساس في تفرد كل منا؟ إن لكل منا عقله الخاص وقلبه الخاص؟ له جسده وروحه الخاصان؟ له تمايزه في تحليل الأمور وفهمها والتعامل معها واستخلاص النتائج منها؟
في ذلك اليوم شاهدتُ كما تشاهد عين الكاميرا. لكن، في خامس آخر من حزيران آخر، (ربما ليس في الخامس، وربما ليس حزيران. ذلك لا يهم) كان علي أن أشاهد وأرى وأنثني على طعناتٍ تمزق الأحشاء كسكين مثلومٍ يتغلغل وينسحب ببطءٍ شديدٍ، وأنا أدمى بالورد ينفتح عن الشوك! وأتذوق الماء العذب أجاجاً أشد من البحر الميت! وأنا أتلقى بشفة ممطوطة كما لو أنها ابتسامة، من الناس المقربين كذباً لا يجد مبرراً واحداً على وجه الحياة!
لم تكن هذه هزيمة عسكرية لأحمّل المسؤولية بتلك السهولة. ولم تكن صراعاً من أجل الوجود لأفهم بطريقة ما. لم يكن هناك خوف كاف ليبرر الخداع. ولم يكن هناك أسوار لتبرر المراوغة. لذلك، كانت بمنتهى البساطة، إن كان ما يزال هناك بساطة ما، قاسية وغائرة.
لماذا يفعل المرء ذلك؟ لماذا يلجأ إلى كذبٍ قاسٍ ومؤلمٍ لا يجدي نفعاً سوى أن يمزق غشاء المحبة والثقة الرهيف؟ لماذا يترك الصدقَ البسيط والعاري، الذي يمكنه أن يجعل أشدَّ المصائب خطأ صغيراً، وأعمقَ الطعنات وخزةََ دبوسٍ، وأوجع الجراح خدشاً عابراً. ويذهب باتجاه الخديعة التي تحول، بمجرد وجودها، الخطأ الصغير إلى مصيبةٍ، ووخزة الدبوس إلى طعنةٍ، والخدش العابر إلى جرحٍ غائرٍ؟ لماذا يفعل المرء ذلك؟
على كل حال، ليست الخيانة والكذب والخداع والأنانية، أياً كانت الحجج والمبررات التي يستطيع عقلنا أن يفبركها، إلا انحطاطاً في الروح، انحطاطاً في الجسد، انحطاطاً في وجودنا ذاته! انحطاطاً قد يجرح الآخرين بعض الوقت، أو كل الوقت. قد يهزهم أحياناً. وقد يحطمهم أحياناً أخرى. وقد يمرّ بوجعٍ عابرٍ دون أن يترك سوى صورة سوداء قاتمة.
لكن، مهما كان ذاك الأمر، ومهما كانت نتائجه، لن يتسبب أبداً في توقف الحياة. الحياة التي صيغت أساساً في الصعوبة والمرارة مهما حاولنا تجميلها. وصيغت في بحثها الدائم عن السهولة والجمال مهما حاولنا إعتامها. لن تتوقف الحياة أبداً. بل ستستمر كيفما كنا، وكيفما كانت أفعالنا. ستستمر كنهر مهما كان: بطيئاً أو سريعاً. عكراً أو صافياً. عذباً أو مالحاً.
ليس أمامنا، بل ليس أمامي الآن سوى أن أضع أقدامي مرة أخرى على القاع، ثم أفتح سيقاني، وأنطلق مرة أخرى صاعداً من القاع النازف، من الظلام الميت إلى النور. راسماً في طريقي خيطاً أحمر صغيراً، قد تستطيع المياه المتلاطمة أن تشتته ذات يوم.

*- جريدة "النور"- العدد (154)-  9/6/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS