كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
عقارب طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

مرّ الليل خفيفاً هذه الليلة. حتى إنني فتحت عيني دهشةً: أحقاً مرت كل تلك الساعات التي تشير إليها العقارب المتبخترة بالفوسفور الزاهي! غريب! لم أعتد من ساعتي كل هذه الألفة رغم أننا مررنا معاً بحالاتٍ أكثر تنوعاً من الحشرات التي أنجزت تحولاتها الغريبة خارجةً من شرانقها لتموت بعد بضع ساعاتٍ، أو بضعة أيامٍ، أو بضعة شهورٍ، غير قلقة على هذا العالم الذي عبرته بكل ما لديها من إمكاناتٍ على العيش، دون أن تتعب نفسها في فلسفته والسيطرة عليه.


كنتُ أصارعها بصوتي العالي الذي لم أتقن يوماً كيف أعيد إليه هدوءه (لم يُترك لي غيره ليعبّر عن وهم استقلال شخصيتي ذات السيادة!) حين تتباطأ باستفزازٍ وأنا أعد بلاطات الرصيف مرة تلو أخرى قبل أن تصل حبيبتي إلى موعد تتأخر عنه دائماً (التأخر عن المواعيد صفة لازمة للمرأة في الحبّ! فالتأخر يؤدي إلى قلق وتوتر عند الحبيب المنتظِر، ثم يؤدي إلى لهفةٍ وحرارةٍ أعلى في اللقاء، إذا تمّ! ولذلك يعاني الغربيون المساكين برودةًَ فيما بينهم، لا يني يشتمها الداخل والخارج، بسبب دقة التزامهم بالموعد بغض النظر عن قيمته!). وما إن نلتقي حتى تبدأ بالتسارع قاضمةً، كجرذٍ نهمٍ، الوقت السعيد القليل!
أكان قليلاً حقاً؟ لا. لم يكن قليلاً ولا قصيراً ولا فقيراً ولا باهتاً.. بل كان مكتنزاً وطويلاً وغنياً ومزركشاً.. كان مشعاً كشمس الربيع، وعذباً كساقية. تذكّري جيداً: كم من الشوارع عبرنا معاً وأيدينا متشابكة! كم من الورود مرّرتِ كفك على تويجاتها! كم من الكلمات الحلوة قلنا! كم من الأمسيات الرائقة والصاخبة والفرحة عشنا معاً!.. لكن أحداً ما زرع هذه الفكرة في ذهني كما زرعها في أذهاننا جميعاً، فصرنا نستبق السعادة بسيوفٍ ومناجيق وأسوارٍ محصنةٍ تجعل السعادة تهرب منا سريعاً في الوقت الذي جاءت فيه لتسكنَ، وتقيم. وإذا دخلتْ، نسارع إلى التندر بها طاردينها من بساتيننا بخوفنا مما تخبئه وراءها! كأنها صخورٌ ناعمةٌ تخفي تحتها قبيلةً من العقارب!
العقاربُ! نعم، كنت أصارع عقارب الساعة حين لا أتمكن من إلقاء نظرةٍ عليها، ولو عابرةٍ، وأنا غارق في الانتقال من مكانٍ إلى آخر باحثاً عن عملٍ مختبئ في كومة قش. عملاً أحتاجه لأعيش! أليس العيش حقاً أساسياً كفلته كل قوانين الأرض وشرائعها! وكل قوانين السماء وشرائعها! لا بأس أن لا يكون كريماً. لا بأس أن لا يكون مرضياً. لكن كيف يكون الأمر حين لا يكون إطلاقاً؟ من أين سآكل وأشرب وأتداوى؟ هل بينكم من جرب أن يبقى سنةٍ كاملةٍ، مثلاً، دون عملٍ من أي نوع؟ يعني دون قرشٍ واحدٍ لا يحمل منةً ما؟ هل تعرفون أية مشاعر وأحاسيس تضطرم وتتصارع في ذلك الكهف المسمى جمجمة؟ أليس جحيم سقر أرحم من جحيم هذه الهامشية القاتلة؟ ألا يدفع ذلك المرء ليفعل أي شيء غير أن يبقى جالساً على شبه كرسيٍ يتأمل ما لا يُتأمل؟ ثم، إلى متى سيبقى أهلي وأصدقائي يحتملون سماجتي المكرورة وأنا أمد يدي إليهم بحججٍ شتى كلها صحيحة، وكلها لا تبرر قدر نقيرٍ مما أنا فيه؟ (بالمناسبة، هل تعرفون على ماذا استقر رأي المسؤولين أخيراً: هل بلدنا بلد خيرٍ وإمكاناته واسعةٌ وغنيةٌ؟ أم أن مواردنا ضعيفةٌ وضيقةٌ وعلينا أن نكتفي بمد أقدامنا على قدر ما تركوا لنا مما كان بساطنا؟).
أيضاً، يمكن لعقارب الساعة أن تتوقف تماماً! كما تفعل مثلاً في زنزانةٍ باردةٍ ومظلمةٍ ورطبةٍ! (هذه ليست صفات أدبية. بل واقعيةٌ بمقدار واقعية أن وجودها لا يحافظ على أمنٍ ولا يعيد ناشزاً إلى جادة الصواب ولا يربي من لم يتربَّ!). وحينذاك، أجاركم الله من حينذاك، تنتهي كل معرفةٍ في وجود هذا الكائن الذي دعي، ذات يوم، بالحيوان العارف! فالمعرفة تحتاج إلى الحرية. بل تحتاج أكثر من الحد الأدنى من الحرية ليكون لها وجود. وحين ينقطع ذلك، كما يحدث في زنزانةٍ، تتلاشى تماماً كشبحٍ أدركه الصباح. وما يبقى هو احتقانُ حممٍ وغازاتٍ واندفاعاتٍ لا يحكمها ناظمٌ ولا قانون. ولا تجد معبراً لتخرج فيه. احتقانٌ لا أحد، لا أحد على الإطلاق يستطيع أن يعرف كيف سيغرس جذوره، وأية ثمارٍ سيرمي!
صحيح، لماذا سموها عقارب؟ بل لماذا نظر تاريخنا دائماً إلى الوقت تلك النظرة المتشككة والمرتابة؟ أذرع الساعة تدعى عقارب! والمثل الأكثر شهرة المتعلق بالوقت، يشبِّهه بسيف الجلاد الذي لا يحتمل صداقة ولا محبة ولا تشاركاً: إما أن تقتله أو أن يقتلك!

*- جريدة "النور"- العدد (155)-  16/6/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS