كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
أقمار طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

لا تعذبي نفسك بالبحث عن الأقمار في هذه المدينة الكبيرة المكتظة على غير هدى. لن تجديها في السماء. لن تجدي الكامل المدور منها كوجه الرغيف الأبيض الممزوج بالحليب والسيئ الصنع. كما لن تجدي المشطور منها كوجهٍ جانبيٍ خطته ريشة فنان قبل أن يكتشف إمكانات اللامعنى في الخطوط المتداخلة.

 ولن تجدي أيضاً تلك الأقمار المقرونة كقرني ثور في إيحاء غامض لدورة الحياة الأنثوية مانحة الحياة. دورة جعلت عشتار ترفعه عالياً فوق رأسها رمزاً لخصبها وقدرتها الأزلية قبل أن تُحكم القوانين الذكورية ضبطها في شبكة عنكبوتية صارمة من البديهيات والمسلمات والأعراف والقوانين.
لن تجديها في السماء. فالسماء لم تعد تلك التي كانت تمتلئ بنجوم تنفر على جلد أيدينا ثآليل متكاثرة إذا فكرنا في عدّها خلسة عن أعين أهالينا. ولم تعد تلك التي كان أبي ينظر إليها في لحظات الفرح النادرة ولحظات القهر الشديد الكثيرة محاولاً إيجاد ثغرة ما يمرّر عبرها صوته ورجاءه. تغيرت السماء. فقدت وجهها الأصلي المعقد والسهل. العميق والمريح. البعيد والمغري. وصارت مسخاً مشوهاً للأضواء الصفراء الوسخة في الشوارع الضيقة الوسخة. صارت مزبلة للأقمار المتلصصة والفضائيات المبتذلة والذبذبات المتجسسة. مكاناً للخفافيش والغربان وأسلاك التوتر العالي. حتى الظلام لم يعد ذلك الأسود الداكن القادر على توجيه أبصارنا إلى ما نسينا أن نتأمله في النهار الطويل. صار لوناً وحليّاً يزيد من ثقل العالم بدل أن يخفف منه!
أيضاً، لا تعذبي نفسك بالبحث عنها في الأرض. فالأرض (هل كانوا يسمونها الأم الكبرى؟) فقدت رائحتها التي كانت تعبق في الهواء حين يبللها المطر. صارت رائحتها رائحة القمامة المتعفنة ومخلفات السيارات وغبار الأسمنت. الأرض المتصحرة يوماً إثر آخر من جنون استنزافها، والمتعبة أكثر فأكثر من حمل بشر لا يعرفون كيف يتوقفون عن تثقيلها وتدميرها، والمهجورة من الأيدي التي كانت تحنو عليها وتحرثها وتلاطفها، الأرض التي لم يعد أحد يتذكرها إلا عندما يحين الوقت لحجز مساحة طولية فيها، لم تعد تستطيع رسم الأقمار التي كانت ترسمها على رمل الشاطئ، أو جدران البيوت، أو قلوب العاشقين!
أين ستجدينها إذاً؟ بل كيف أمكنك أن تجدي الوقت لتبحثي عنها، بل لتفكري فيها، في هذه الحياة المتسارعة كقطار ثقيل؟ كيف أمكنك ذلك وأنت تركضين من عمل إلى آخر؟ من شارع إلى آخر؟ من خيبة إلى أخرى؟ من فشل إلى آخر؟ من هامشية إلى أخرى؟ أم لعلك صرت تبحثين عن الأقمار بسبب ذلك؟ ألهذا السبب لا يجد الفلاح في القمر إلا مصباحاً سهل الاستخدام ينير له طريقه الشائك حين يتأخر في سقاية حقله ليلاً. بينما ينسحر (ابن المدينة) بهذا الكائن الغامض الخارج من بطن الشرق مدوراً وكبيراً؟ ألهذا السبب صرنا نلون الماضي بألوان مزركشة لم يعرفها يوماً، في محاولة سرية للهروب مما نحن فيه؟
مع ذلك، لا تعذبي نفسك بالبحث عن الأقمار في أي مكان من هذا العالم. إذا كان ما يزال هناك أقمار في مكان ما، فهي هنا، في الصدر، خلف أسوار الألم والغربة. هنا، حيث يجب أن تمدي يدك لتطلقيها في فضائها الحقيقي. هنا، حيث أكلني التعب واليأس تاركاً لي قشرةً سخيفةً ومخادعةً كما يفعل دود الخشب. هنا، حيث لا يمكن للصمت أن يفعل شيئاً سوى أن يبكمني. وحيث لا يمكن لليأس أن يفعل شيئاً سوى أن يقتلني. هنا، حيث قرر عاشقان ذات يوم أن يجلباني إلى الحياة متفائلين بوطن حر وعيش كريم، وحيث تركاني حبيساً في الحلقة المفرغة في محاولتي المتجددة والأبدية للعيش. محاولتي التي لا أستطيع الفكاك منها.

*- جريدة "النور"- العدد (156)-  23/6/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS