كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
صداقة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

يمكن للمرء أن يعيش دون أهلٍ. مهما كان ذلك قاسياً ومؤلماً. ويمكن له أن يعيش دون حبٍ، مهما ترك ذلك من آثار في المناطق الأكثر ظلمةٍ من النفس. يمكن له أن يعيش بأفكارٍ قديمةٍ باليةٍ دون أن يكلف نفسه عناء إعادة النظر فيها ولو مرة واحدة. ويمكن له أن يدوس على أقرب المقربين إليه بحججٍ شتى قد لا تخلو من مبرراتٍ واقعيةٍ دون أن تجد مبرراً أخلاقياً واحداً.

 يمكن له أن لا يمتلك بيتاً مدى الحياة. أو أن يعيش في خيمةٍ. بل حتى في حديقةٍ أو زاويةٍ مهملةٍ من بناءٍ مهجور. يمكن له أن يأكل كل شيء وأي شيء. ويمكن له أن يلبس خرقاً باليةٍ أو أكياس نايلون. يمكن للمرء، أي للكائن الذي ينتمي إلى النوع الأكثر عقلانيةٍ وسيطرةٍ، أن يعيش بأكثر الأشكال والمضامين غرابةً أو اعتياديةً، تقليديةً أو حرةً، سليمةً أو مريضةً، مناسبةً أو مناقضة..
للأسف، هذه هي طبيعة هذا الكائن الواعي والمنظم، المفكر والراقي. لذلك عاش نيرون على الكوكب ذاته الذي عاش عليه المصارعون الذي التهمتهم الأسود على مرأى من ضحكته الرنانة. ولذلك وجد بنوشيت وفرقه المسماة فرق الموت على الأرض القارية ذاتها التي وجد عليها سلفادور ألليندي وغارسيا ماركيز وبابلو نيرودا. ولذلك وجد بوش ورامسفيلد على الكرة ذاتها التي وجدت عليها نساء العراق. ولذلك وجدت شرطة مكافحة الشغب المزودة بأحدث تكنولوجيا المطاط في الفضاء نفسه الذي وجد فيه الباحثون عن الحرية في بلدانهم المقيدة.
لذلك يمكن للرجل أن يكون بالغ اللطف في العمل والمقهى، وبالغ القسوة في بيته. ويمكن للمرأة أن تكون عالية الثقافة ومغرقةً في التخلف. ويمكن للشاب أن يلاحق آخر صرعةٍ ويكون مجتهداً وجدياً. ولذلك أيضاً يمكن لبعض الناس أن تأكلوا الخراف. وغيرهم يأكل الخنازير. بينما آخرون يأكلون الكلاب. وغيرهم يأكل الجراد أو دود الخشب. لذلك أمكن لبعض الناس أن يمضوا سنين طويلةً في زنزانةٍ انفراديةٍ. وأمكن لغيرهم أن يمضوا حياتهم دون أن يخرجوا من قريتهم التي قد لا يتجاوز عدد منازلها عدد أصابع اليدين. ولذلك أمكن لبعض الناس أن يغمضوا أعينهم الاغماضة الأخيرة دون أن يعرفوا لحظة استقرارٍ. وأمكن لغيرهم أن يمضوا عمرهم دون أن يعرفوا لحظة حرية.
أمكن للإنسان أن يعيش في ظروفٍ، ويمارس حياةً أشد تنوعاً واختلافاً مما يسمح أي منطق برسمه على أنه مسارٌ واحدٌ أو منسجمٌ.
لكن، مع ذلك، هل يمكن للإنسان أن يعيش دون صديق؟ أقصد صديقاً بحق. أي ذاك الشخص الذي أتعب حقاً في فهمه وإفهامه. في تقريبه والاقتراب منه. في الثقة به وكسب ثقته. ذلك الشخص الذي لا تجمعني به مصلحةٌ ماديةٌ، ولا مجرد قرابةٍ، ولا اتفاقٌ عابرٌ، ولا مصادفة قصيرةٌ. بل تجمعني به حقيقة أنه الوحيد الذي يمكنني أن أفتح له قلبي بهدوءٍ وثقةٍ واطمئنانٍ دون أن يراودني أي شكٍّ أو إحساسٍ بالخطر. يجمعني به ذلك الشعور الدافئ أنه يسمعني، ويحدثني، ويلاطفني، وينتقدني، ويضحك معي، ويبكي معي، ويقلق لأجلي، ويساعدني دون أن يكون ملزماً بأي قاعدة إلزامٍ غير أننا أصدقاء. دون أن ينتظر مني أيَّ شيءٍ غير أن أسمعه، وأحادثه وألاطفه وأنتقده وأضحك معه وأبكي معه وأقلق لأجله وأساعده، لأنني غير ملزمٍ بأي قاعدة إلزامٍ غير أننا أصدقاء.
ولأنه كذلك، لا نجد الأصدقاء كل يوم. لا نجدهم أينما كان. والأهم من ذلك، لا نجدهم معروضين أمامنا "كالمانيكان". وما علينا سوى الاختيار. لا يوجد صديقٌ جاهزٌ على وجه الإطلاق. الصديق، أي الصداقة، فعلٌ تراكميٌ طويلُ الأمد. فعلٌ واعٍ وبناء. فعلٌ نتعب في تحقيقه والوصول إلى نتائجه. فعلٌ حافلٌ بالأخطاء والعثرات والكبوات وسوء الفهم والتقديرات الخاطئة. فعلٌ حافلٌ بالرغبة والإرادة والإمكانية على معرفة كل ذلك وإيجاد الطريق المناسب. ولذلك هو فعلٌ شاقّ. فعلٌ يحتاج إلى الكثير من الصبر وسعة الصدر.
أُعطينا الأهل مسبقاً، فهم الذين أنجبونا. ونأخذ شريك العمر على أسسٍ واضحةٍ مهما تغيرت من زمنٍ إلى آخر. أما الصديق، فنحتاج إلى بنائه لحظةً بلحظة، خلجةً بخلجة. ولكننا، حين نصل إليه، يمكن لنا أن ننظر بابتسامةِ انتصارٍ إلى بقايا الوحدة الممزقة على الطريق الطويل.

*- جريدة "النور"- العدد (157)-  30/6/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS