مَن قال إن هذا البلد رائع؟ مَن قال إنه يؤمّن الآن لمواطنيه حياة حرة وكريمة ومرفهة؟ من قال إنه ليس متخماً بالعاطلين عن العمل في الشارع أو في أعمالهم الوهمية، والعاجزين عن الزواج رغم مرور الأيام تاركةً في القلب وعلى الوجه أثلامها القاسية، واليائسين من انغلاق آفاق مستقبلهم رغم مهاراتهم وكفاءاتهم؟
من قال إن حالة الطوارئ لا تنيخ على الصدور مثقِلةً كاهل العقل الراغب في الانطلاق إلى إمكانات جديدة ومتجددة ؟ وإن غياب قانون الأحزاب ليس أزمةً جديةً باتت تهدد الكثير من المسلمات؟ من قال إن الفساد لم يعمّ كل شيء حتى صار سلوكاً يومياً عادياً عند الكثير من الناس في مختلف المواقع والأماكن، وإن الفساد لم يهدر ويخرب كل شيء في هذا البلد؟ من حبة القمح في الجزيرة التي كانت تسمى ذات يوم بمخزن الحبوب، إلى الشواطئ التي صارت من أكثر شواطئ العالم قذارة وتلوثاً؟
مَن قال إن العمل لعشرٍ أو اثنتي عشرة أو أربع عشرة ساعة يومياً في محاولة فاشلة لتأمين حدّ معقول من الدخل يغطي الأسعار الكاوية، يمتّ بصلة من أي نوع كان إلى التصور الإنساني عن العمل؟ من قال إن الاستشفاء لا يسير حثيثاً ليكون رفاهية لا يطولها إلا من وُلِد وفي فمه ملعقة ذهب؟ وإن التعليم لم يبدأ مشوار العودة ليكون، كما في النظم التي طالما شتمناها في كتب التربية الوطنية، حكراً على أبناء الأغنياء؟ من قال إن امتلاك بيت لا يشبه إضافة معجزة إلى المعجزات السبع؟ وإن استئجار بيت لا يأكل أكثر من نصف الراتب. وعلى النصف الباقي أن يؤمن كل متطلبات الحياة الأخرى؟ من قال إن المرأة متساوية مع الرجل في غير الدستور؟ وإنها لا تعاني مختلف أشكال الاضطهاد والتمييز في الواقع وفي القوانين؟
وبعد! لدى كل منا أكثر من هذا بكثير ليقوله حين تطقّ الروح وتحتاج إلى أن تُخرج من جوفها بعض الحمم. ولدى كل منا من الهموم والمشاكل المقلقة الشخصية أكثر بكثير مما يمكن لجمل المحامل أن يتحمل. ولدى كل منا رغبات دفينة ونصف معلنة ومعلنة لا يحلم أن يحقق القليل منها إلا بسحر ساحر أو قدرة قادر.
ولكن.. ألم يعد هناك حلٌّ غير الهجرة؟!
لن أشتم بلدان الخليج، ولا دول أوربا، ولا الولايات المتحدة الإمبراطوية. لن أقول فيها، في حياتها وعملها وناسها وأخلاقها ونظمها، كلمة واحدة لا مدحاً ولا ذماً. ولن أقول شيئاً عن تراب الأجداد فقد أشبعته المسلسلات التاريخية التافهة والسطحية نتفاً وابتساراً. ولن أقول شيئاً عن الأيام التي عشناها هنا، والناس الذين عاشرناهم، والشوارع التي لعبنا بها، واللغة التي حَبونا معها. وأيضاً لن أقول شيئاً عن الحنين من أي شكل كان.
ما سأقوله هو سؤالان بسيطان بساطة حد السكين حين (تلعبج) في الأحشاء:
الأول: هل يمكن لنا، نحن الـ(18) مليون نفر أن نهاجر؟! إذا كان يمكننا فلا بأس بذلك. حينئذٍ لا تبقى هناك مشكلة على الإطلاق ما دام كل واحد فينا سيجد (خلاصه) أخيراً. وسيجد جنته الخاصة أو جحيمه الخاص الذي رغب فيه هو، وقرّره هو، وسعى إليه هو.
والثاني: هل يعتقد أولئك الذين يحملون صرتهم الصغيرة ولسانهم الطويل (ليحملوا همومنا وصوتنا) في رحيلهم، أنني أهتم قدر بعوضة بما يقولونه وهم يجلسون (مرفهين أو غير مرفهين، لا يهم) في الـ(هارد بارك) أو (الشانزليزيه) أو أي مكان آخر خارج هذه الحدود التي اضطررت لحفظها في جراح القلب؟
إذا كان لدى أحدٌ جواب بالإيجاب على أي من السؤالين، فليهدني، وجزاؤه عند الله أضعافاً مضاعفة. وإذا لم يكن، فدعونا نفكر قليلاً في هذا الحال.
هذا الوطن وطننا. لم يكن الأمر، وليس هو الآن على غير هذا النحو. بل ربما كان أسهل حين لم تكن هناك حدود وجوازات سفر وجنون إرهاب. أما الآن، فقوانين الهجرة، وقوانين الأمن، وقوانين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وقوانين التابع والمتبوع، والناهب والمنهوب، وقوانين أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، إضافة إلى قوانين إرادتي وانتمائي وخياري، تجعل هذا الوطن وطني.
ولأنه وطني، ولأن هذه الأرض أرضي التي لن أتنازل عنها، وهذه الأم أمي التي لن أتركها وحيدة في شيخوختها، وهذا الطفل طفلي الذي سيربى ويشب هنا؛ لأنه وطني، وهذا الفساد وذاك التخلف عدوي أنا؛ وهذه الأحلام وتلك الرغبات رغباتي أنا؛ لكل ذلك، ولغيره، إذا كان لدي كلمة أقولها فلأقلها هنا: على هذه الأرض، بين هؤلاء الناس، تحت هذه السماء. هنا فقط لها معنى أياً كان. وغير ذلك هباء.