ضحكت المرأة اللطيفة وهي تبتسم بمرارةٍ تصير فراتاً إذ تمر بين شفتيها، وتساءلت: لماذا لا يأتي أولئك الذين يشيدون بالزمن الماضي، زمن البساطة والسهولة، زمن الأرض والفلاحة وتربية المواشي، لماذا لا يأتون ليعيشوا قناعاتهم تلك؟ لماذا لا يتركون السيارات (القذرة) التي تلوث البيئة ليستخدموا (البغال القبرصلية) القوية في تنقلهم؟
لماذا لا يتخلون عن الفرن الكهربائي ويعودون إلى استخدام الأثفية والنفخ طويلاً ليشتعل الحطب الرطب كما فعلت في طفولتي حتى عميت عيوني؟ ويتخلون عن شبكة مياه الشرب ليحملوا جرارهم كل فجرٍ ويذهبوا مئات الأمتار، وأحياناً بضع كيلومترات، ويقاتلوا من أجل دورهم في تعبئة المياه من العين التي أتقن الشعراء الكذب في وصفها؟ لماذا لا يتركون خلفهم بيوت الأسمنت التي لم يبق قلمٌ لم يذمها ويشتمها، ويبنون بيوتهم بالخشب الذي سرعان ما ينخره الدود وتعشش فيه الفئران والأفاعي، والطين الذي يحتاج كل عامٍ إلى إعادة ترميمٍ لا تقل مشقةً عما هي عليه في المرة الأولى؟ لماذا لا يطفئون تلك المصابيح التي تلوث فضاء العالم ويشعلون الشموع، أو سراج الزيت ويحاولون أن يقرؤوا أو يكتبوا أو يفعلوا أي شيءٍ يحتاج إلى أكثر من 1% من ضوء النهار؟ لماذا لا يدَعون الخاطبات يقررن لهم شركاء حياتهم؟ ويدَعون الجاهل يقرر مصيرهم لمجرد أنه كبيرهم؟
لن يفعلوا ذلك أبداً. لا أحد يتخلى طواعية عما يريحه ويساعده في جعل حياته أكثر عمليةً وأكثر إنتاجية. بل هم أكثر تمسكاً ولهاثاً خلف كل منجزٍ حديثٍ أياً كان. فإذا كانوا لن يفعلوا ذلك: لن يعودوا إلى القرى التي هجروها بأرضها وناسها وحيواناتها، ولن يقبلوا أن يتخلوا عما هم فيه ليعيشوا ما يتغنون به ليل نهار، أفلا يكفّون عن هذا (الحنين) الكاذب والساذج؟ وهل يختلفون في هذا كثيراً عن أولئك الذين يعتقدون أن الجلابية هي هويتنا؟ والدخول إلى المرحاض بالقدم اليسرى هو أصالتنا! وقتل من يخالفنا هو خلاصنا! هل يختلفون عن أولئك الذين يقررون مصيرنا معتقدين أن العالم ما زال العالم ذاته الذي كان! وأن الناس ما زالوا الناس أنفسهم!
ليتهم كانوا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل. على الأقل تفعل النعامة هذا فيما يخصها هي. أما هؤلاء، فإنهم يبقون رؤوسهم عاليةً ويدفعون برؤوسنا إلى الرمال!
قد تكون هذه هي مشكلتنا. ربما لدى كل منّا، ولدينا معاً الكثير من الأفكار والآراء والقيم الجميلة والنافعة. لكننا نعيش ازدواجيةً لا تتوقف. ازدواجيةً لا تترك شيئاً خارج دائرتها. الرجل المدافع عن حرية المرأة يقمع امرأته أو أخته عند أول سلوكٍ لا يعجبه! والمرأة المؤمنة بالثقافة تتخلى عن ثقافتها كلها عند أول طفلٍ تضيفه إلى هذا العالم! الحرية عندنا هي أن أفعل أنا ما أريد! والديمقراطية هي أن يهزّ الآخرون رؤوسهم، فرادى ومجتمعين، في موافقة جماعية على ما أقول! الثقافة شهادةٌ معلقةٌ على الجدار! والمعرفة ادعاءٌ فارغٌ بالموسوعية!..
بالتأكيد ليس هذا الزمن الذي نعيشه زمناً مثالياً. بل هو متخمٌ بفساده وروائحه الكريهة. متخمٌ بالحروب والخيانة والتسلط. بالفقر والمرض والجهل. لكنه لم يكن في يوم من الأيام أقل سوءاً وقسوةً. بل كان دائماً أشد سوءاً وقسوةً!
بالتأكيد ليس هذا زمناً رائعاً. ليس فردوسياً ولا فاضلاً. لكنه زمنٌ فتح إمكاناتنا على أن نفكر ونسعى لنحقق ما نفكر فيه كما لم يكن ذلك متاحاً في يومٍ من الأيام. وإذا كنا لا نفعل ذلك، لضعفٍ أو جهلٍ أو خوفٍ أو أنانيةٍ أو أي سببٍ آخر، فهذا عيبنا نحن، قصورنا نحن، انسحابنا نحن. لا عيب الزمن!
ضحكتْ المرأة التي أمضت طفولتها في بيت الطين، ودرست في ضوء سراج الزيت، وملأت خابيتها من النبع، بينما كفها تربت على (ربيعها) الفتي المليء بأحلامه الطفولية، وقالت: على كلّ حال، لا أحد يستطيع أن يوقف الحياة!